cover

خواطر 2022-1

إذا داس أحدهم على رأس شخص بحذائه هل يصح إذا أزاح الحذاء بمقدار 90% وبقي طرفه على الرأس فقط أن نقول أن الشخص الذي ديس رأسه استرد 90% من كرامته؟! في حسابات الحرية والكرامة لا توجد نسبية، إما أنك كريم أو ذليل ومن يريدنا أن نرضى بظلم بحجة أنه أقل من ظلم آخر هو ليس حرّاً ولا عزيز النفس بل عبد وضيع وإن تدثر بعلم الثورة والتحف به!


"فاستقم كما أمرت" الخط المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين. بعض القضايا حلولها واضحة وسهلة وسريعة لكننا نحولها إلى قضايا شائكة وصعبة ومعقدة بسبب لفنا ودوراننا وافتقادنا إلى الصدق والشجاعة في مواجهة هذه القضايا وتسمية الأمور بأسمائها


الطفل الذي لم يتجاوز الشهور من عمره عندما تسحب لعبته من بين يديه ويشعر بأنك اعتديت على حقه يملؤ الدنيا صراخاً، لم يعلمه ذلك أحد، بل هي فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ أن نرفض الظلم والاعتداء على حقوقنا وأن نرفض ذلك بأعلى ما لدينا من صوت، هكذا خلقنا الله (في أحسن تقويم) لنعيش حياة قويمة، لكننا ارتددنا إلى (أسفل سافلين) وتمرغنا في حياة معوجّة سقيمة عندما تجاهلنا نداء الفطرة هذا وجعلنا ظهورنا مطية للظالمين، الفطرة من خلق الله ولا تبديل لخلق الله، لذلك كان لا بد للفطرة أن تتحرك، وكان لا بد للثورة على الظلم والفساد في بلادنا أن تقوم وأن تستمر.


غواية الغامض تبدو الأسئلة أكثر من الأجوبة والمشاكل أكثر من الحلول وصعوبة الدرب أكثر مما تحتمله القدمان، لكن لا شيء يساعد على إيجاد الأجوبة وابتكار الحلول وتقوية القدمين أكثر من المضي قدماً!


السوري المحطّم الذي يحطم قاداته بعض من يرون أنفسهم (قادة) يلومون السوريين لأنهم لا يجتمعون على قائد، علماً بأن الابتعاد عن اللوم ولعب دور الضحية هي من أهم صفات القائد! نعم توجد عند السوريين مشكلة في القدرة على منح ثقتهم للآخرين ويسهل عليهم الاتهام دون دليل، لكن المشكلة الأكبر هي عدم وجود قيادات تتفهم أسباب هذه المشكلة وبالتالي تعرف كيف تعالجها، وأهم الأسباب ثلاثة برأيي:

الشخصية السورية حطمتها عقود الإذلال الممنهج وحرمتها فرصة التطور الطبيعي في أجواء الحرية واحترام الكرامة لذلك لم تزل شخصية هشّة انفعالية شديدة الحساسية وخصوصاً عندما تشعر أن هناك من يفرط بحقوقها أو لا يتعامل معها باحترام ولو لم يكن هذا الشعور مبنياً على حقائق.

المعاناة الرهيبة التي عاشها السوريون في السنوات العشر الأخيرة من قتل وحصار وتشريد جعلتهم حديين في مواقفهم ومشاعرهم.

فشل الأشخاص الذين تصدوا لقيادة السوريين في المرحلة الماضية في تحقيق أي إنجاز يوازي تضحيات السوريين العظيمة. يحتاج السوريون اليوم إلى قادة حقيقيين يصدقون معهم أولاً، ثم يتحملون مسؤولية كسب ثقتهم واحترامهم ولا يرمون هذه المسؤولية على السوريين أنفسهم. قادة يدركون حجم المعاناة والإحباط الذي يعاني منه السوريون، فيبذلون جهداً مضاعفاً في التواصل معهم وأخذ آرائهم بعين الاعتبار والإنصات لهم واحترام عقولهم. قادة يصبرون على ما قد يصدر من السوريين من سوء فهم ويعالجونه بمزيد من التواصل ومزيد من الإنجاز الذي يؤدي إلى كسب الثقة وليس بمزيد من التعالي واتهام السوريين بأن المشكلة فيهم وليست فيمن تصدى لقيادتهم.


الأكثرية السنية والخطاب الوطني ورهاب الاتهام بالطائفية إذا كان الخطاب الذي يتجاهل وجود (أقليات) في سورية ويتجنب الحديث عن حقوقها ويتهرب من الاعتراف بتعرضها لانتهاكات هو خطاب غير وطني فمن الأولى أن ننفي الوطنية عن الخطاب الذي يتجاهل وجود الأكثرية ويتجنب الحديث عن حقوقها ويتهرب من الاعتراف بتعرضها لانتهاكات.
عندما تختفي عبارة (الأكثرية) من الأدبيات السياسية لبعض من ينتمون إلى هذه الأكثرية وعندما يتحاشون عامدين الحديث عما تعرضت له خلال ستين عاماً من الحكم الطائفي من تهميش وإقصاء وعما تعرضت له في السنوات العشر الأخيرة من قتل وتهجير وتدمير لحواضرها عندما طالبت بحقوقها، ندرك أن الموضوع ليس الحرص على (الخطاب الوطني) بقدر ما هو حالة من الرهاب المرضي المغروس عميقاً في العقل الباطن لكثير من السنة في سورية من أن يتهموا بالطائفية في حال وصفوا الحقائق الواقعية والتاريخية وتحدثوا عن استهدافهم كأكثرية وطالبوا باستعادة حقوقهم.
يحتج البعض في تجنب الاعتراف بحقيقة استهداف الأكثرية الممنهج بأن الأكثرية لا تستعيد حقوقها بالخطاب وإنما بالعمل وإثبات وجودها بحضورها وفاعليتها، وهذا برأيي عرض آخر من مرض رهاب الاتهام بالطائفية، لأنه لا تناقض بين أن يكون خطابك واضحاً في توصيف الواقع وتسمية الأمور بأسمائها وبين أن يكون لك حضور وبرامج وفاعلية.
بل إن تعريف الأكثرية لنفسها بوصفها الأكثرية الوطنية التي تشكل الحامل الأساسي لأي مشروع وطني جامع والضامن الأكبر لحقوق جميع السوريين وعملها على استعادة حقوقها كاملة حتى تستطيع لعب هذا الدور هو الخطوة الأولى لتحقيق حضورها وفاعليتها على المستوى الوطني.
إن الحل الذي لا يبدأ بتوصيف المشكلة توصيفاً واضحاً وصريحاً لن يكون حلاً حقيقياً ولا مستداماً.
يجب التفريق بين الحديث عن الأكثرية من منطلق ديني طائفي والحديث عنها من منطلق سياسي.
لقد تحدثت عن الأكثرية من منطلق سياسي. بمعنى أنه من بديهيات علم الاجتماع السياسي أن الاستقرار والأمن والنمو لا يتحقق في أي بلد ما دامت الأكثرية فيه تُعامل معاملة تمييزية وتُقصى من مراكز صنع القرار السياسي والعسكري والاقتصادي وهو ما كان سائداً في سورية طوال العقود الماضية وهذا برأيي أهم أسباب الثورة السورية.
حديثي عن الأكثرية هنا ليس من باب التجييش العاطفي بدوافع دينية وطائفية. ذلك التجييش الذي يضع الأكثرية السنية في مواجهة باقي المكونات السورية لأسباب دينية وطائفية، فلست من أصحاب هذا الخطاب.
حديثي هنا أن الأكثرية السنية تتحمل مسؤولية أكبر من باقي المكونات في بناء سورية الجديدة ودورها هو الدور الأكبر، هذه المسؤولية وهذا الدور ليس لأنها أفضل من غيرها وإنما بسبب ثقلها الديمغرافي ومكانتها الاجتماعية والاقتصادية وإرثها التاريخي والحضاري، لكن لكي تقوم بهذا الدور يجب أن تعي ذاتها وتعرّف نفسها بشكل صحيح، وبرأيي أن الرهاب المرضي من الحديث الصريح عن الأكثرية وحقوقها ودورها، وخصوصاً عند بعض النخب من هذه الأكثرية، لا يساعد على بناء الوعي اللازم عند الأكثرية لتقوم بدروها التاريخي.
وأخيراً موقفي الواضح الذي لا يقل وضوحاً عن موقفي من دور الأكثرية هو أن السوريين على اختلاف أديانهم وأعراقهم وتوجهاتهم السياسية متساوون في القيمة والكرامة الإنسانية وفي الحقوق والواجبات أمام القانون.


المنصب وتقدير الذات الإنسان الذي يحمل تقديراً عالياً لذاته يشعر أن قيمته تأتي من داخله، من المبادئ التي يحملها، لذلك يكون المنصب عنده وسيلة لا غاية، يقبل به بمقدار ما يخدم مبادئه ويتركه بسهولة عندما تقتضي المبادئ ذلك. أما الإنسان الذي يحمل تقديراً منخفضاً لذاته فيشعر أن قيمته تأتي من خارجه، من المنصب واللقب والمظهر، لذلك يكون المنصب عنده غاية لا وسيلة، يتمسك به ويبيع كل المبادئ في سبيل الحفاظ عليه!


لا إله إلا الله تعني لا خضوع إلا لله ولا خوف إلا من الله، تعني أن يقول صاحبها كلمة الحق في وجه أهل السلطة والنفوذ ولو عرضته للخطر والأذى، عندما تتمكن (لا إله إلا الله) من القلوب بهذا المعنى يولد المجتمع الحر الذي يلفظ كل ظالم ومتسلط ومفسد.
أما عندما تكون (لا إله إلا الله) مجرد صراخ على المنابر وتمتمات مريحة على الشفاه يجبن صاحبها عن قول كلمة الحق في وجه أهل السلطة والنفوذ، فنحن أمام مجتمع من المنافقين يركبه كل ظالم ومتسلط ومفسد.


مهمة القلم أن يبين كلمة الحق ومهمة السيف أن يحمي صاحب الحق فإذا عجز السيف عن الحماية لن يعجز القلم عن الإبانة حتى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه السيف أما عندما يطلب السيف العاجز من القلم الصمت حتى يخفي عجزه، فمعنى ذلك أنه سيبقى في غمده طويلاً حتى يأكله الصدأ!


عندما تُتهم بأنك مخطيء، إما أن تعترف فتصحح أو ترى أنك مصيب فتوضح أمّا ألا تصحح ولا توضح فهذا شأن الجبان الرعديد الذي لا يجرؤ على مواجهة نفسه والناس أو المتكبر المتعجرف الذي لا يقيم وزناً لآراء الآخرين في كلتا الحالتين أنت لست أهلاً لثقة ولا قيادة، ومنصبك مكتسب من خدمة من نصّبوك فيه لا من جهدك وكفاءتك.


منطق الثورة أن تتمسك بالحق ولو كنت لوحدك المنطق الذي تقدمت به البشرية عبر رجال ونساء حملوه فصنعوا الانعطافات الكبرى في التاريخ سواء رأوا هذه الانعطافات في حياتهم المحدودة أو أضاءوا الطريق لغيرهم ثم مضوا.


لم نقم بثورة لنستبدل بشار بـبشار آخر
ولا رجل الأمن السوري برجل أمن من بلد آخر
ولا البوطي ببوطي آخر
ولا مخلوف بمخلوف آخر
ولا حزب البعث بجماعة إيديولوجية شمولية أخرى
هي ثورة ضد كل ما تراكم في حياتنا الفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية من أشكال الظلم والكذب والخنوع والنفاق عبر تاريخنا الطويل
لذلك بذلت فيها دماء وتضحيات لم تبذلها ثورة أخرى في التاريخ
إن لم تكبروا وترتقوا إلى مستواها ستكسحكم جميعاً بإذن الله


من يصر أن يظل صغيراً ليظل صغيراً لوحده
لن نسمح له أن يقزم ثورتنا العظيمة حتى تناسب مقاسه!


أن تتخلى عمن يتخلى عنك .. هذه تجارة
أن تسحب يد العون عمن يخرمشها .. هذا ارتكاس عصبي يقوم بها أكثر الكائنات بدائية
أن تحفظ العهد وتستمر بالعطاء رغم كل ذلك .. هذا هو الحب الذي يجعلك إنساناً ويعطي وجودك معناه


أفشل السياسيين هو من يتجنب الناس الذين يُفترض أنه يمثلهم الجلوس بقربه في المناسبات واللقاءات العامة خوفاً من أن يظهروا معه في صورة واحدة!


البديل عن ماذا؟!
عندما تعطي المريض مادة لا تعالج المرض، أنت تضيع الوقت اللازم للبحث عن علاج حقيقي وبالتالي تساهم في قتل المريض وعندما يطلب منك أحدهم أن تتوقف عن إعطاء هذه المادة لا تقول له: ما البديل؟
عندما تمشي في طريق لا يوصلك إلى الهدف ويطلب منك أحدهم أن تتوقف لا تقول له: ما البديل؟
عندما يطالبك أحدهم بالتوقف عن بيع الوهم والكذب والخداع لا تقول له: ما البديل؟
عندما تقوم بأمر مفيد ويطالبك أحد بالتوقف عنه من المنطقي أن تقول له: لن أتوقف حتى تقدم لي بديلاً أكثر فائدة، أما عندما تقوم بأمر فيه ضرر ويُطلب منك التوقف عنه فالسؤال عن البديل سخافة ووقاحة


يقول العالم الفرنسي برجسون (الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يستخرج من نفسه أكثر مما هو موجود فيها) فكل خبرة فكرية أو شعورية أو سلوكية أو حسية تضيف إلينا شيئاً، وهذه الإضافة ليست جامدة كمن يضيف لبنة إلى جدار وإنما تفاعلية تغير بنية العقل باستمرار، كمن يكتشف حقيقة جديدة فتغير نظرته إلى أشياء كثيرة دفعة واحدة.
هذا الاستعداد لانكشاف آفاق وإمكانيات جديدة في كل لحظة لا يملكه إلا الإنسان، وهو من معاني (روح الله) التي نفخها فيه، وهو استعداد لا تتفجر ممكناته إلا بالحرية، وبأحرار شجعان يختبرون الأفكار في ساحة التجربة والعمل.
هؤلاء الأحرار الذين يؤمنون بأنفسهم وشعوبهم يستخرجون منها أكثر مما هو موجود فيها وهم من يحدثون الانعطافات الكبرى في التاريخ وفيهم تتجلى معجزة الخالق وروحه (ونفخنا فيه من روحنا).


عندما تنطلق آلة القتل والإجرام لتسكت من يطالب بحقه ويدافع عن حريته لا يجوز إدانة هذا المطالِب بدعوى أنه كان من واجبه أن يدرك وحشية المعتدي وأن يحمي نفسه بألا يدفع الظلم والعدوان عن نفسه، لمعتدي ليس حيواناً لا عقل له وغير مسؤول عن تصرفاته ليكون اللوم على من يدفع العدوان!
المعتدي هو إنسان مسؤول مكلّف، ووحده من يجب أن يخضع للمحاسبة، ووحده من يجب أن يُلام ويُدان وليس ضحاياه الذين يدفعون العدوان عن أنفسهم، وإلا لأصبح كل ظالم أسكرته القوة وجعلته يبطش بمن يقف في وجه جبروته في حلٍّ من المسؤولية عن هذا البطش أو أصبح من يقف في وجهه مشاركاً له في المسؤولية! لهذا حض القرآن على مواجهة الظلم (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) والمفاصلة مع الظالمين.
لا يدرك من يحملون ثقافة تحميل الضحية مسؤولية اعتداء الجاني عليه أو إشراكه في المسؤولية أنه لا شيء يشجع الجناة على الإجرام أكثر من انتشار هذه الثقافة في المجتمع ولا شيء يردعهم ويحقن الدماء أكثر من المفاصلة الأخلاقية الحازمة معهم عندما يعتدون على الآخرين وإدانتهم وحدهم، ووحدهم فقط.


من علامات رجاحة العقل وسلامة القلب أن يفرح الإنسان لنجاح أي مشروع يخدم قضيته ولو كان منافساً لمشروعه، ولو كان لا يتفق مع القائمين عليه في بعض القضايا، ولو كان لا ينسجم معهم على الصعيد الشخصي لاختلاف الطبع والأسلوب، الاختلاف طبيعي وهو سنة الحياة، والساحة تسع الجميع وتنوع العاملين فيها وتنافسهم يزيدها غنى واتساعاً، أعترف أن الكلام أسهل من التطبيق وأني أجاهد نفسي حتى أرتقي إلى هذا المستوى.


إحقاق الحق وإبطال الباطل له أدواته على أرض الواقع لكن أدواته لا تُبنى ولا تُفعّل ما لم يكن هناك من يقول: هذا حق وهذا باطل
لذلك جاء في الحديث النبوي "أعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر"
الحديث ذكر الكلمة فقط ولم يشترط على من يقولها أن يملك الأدوات أو أن يضع الخطة التفصيلية اللازمة لإحقاق الحق وإبطال الباطل
الكلمة لا تقضي على السلطان الجائر فوراً فلماذا كانت أعظم الجهاد؟ لأنها تؤسس الثقافة اللازمة للقضاء عليه، وغياب هذه الكلمة يؤسس الثقافة التي تطيل بقاءه وتزيد طغيانه
رحم الله أحمد بن حنبل الذي قال: إذا سكت العالم تقية وتكلم الجاهل بجهله فمتى يظهر الحق.


كان والدي رحمه الله يقول: الحركة بركة، وكنت أضيف مناكفاً: بشرط أن تكون في الاتجاه الصحيح، اكتشفت مع الوقت أن كلام والدي كان أكثر دقة!


أحياناً تكثر الأزمات والتحديات أمام من يسعون إلى التغيير إلى درجة لا يعود أمامهم (اتجاه صحيح) بل أفق مسدود! وهناك تأتي بركة الحركة أي طرح الأفكار وتبادلها مع الآخرين واختبارها على أرض الواقع وتطويرها باستمرار والتواصل مع المخلصين من يشاركونك هم التغيير الباحثين عن الحلول وعن (الاتجاه الصحيح) وتوسيع دائرتهم وزيادة التشبيك فيما بينهم والتشارك في الأفكار والتجارب والموارد، كل ذلك ينضّج البيئة التي يخرج منها من يعرفون الاتجاه الصحيح ويستطيعون قيادة الناس نحوه.
في المنعطفات التاريخية ليست الدروب من يستدرج الأقدام، بل الأقدام الجريئة هي التي تخلق دروباً جديدة.


النقد وهل يحتاج الناقد إلى طرح (البديل)
عثرت صدفة في إحدى المواقع على نقد أدبي لقصيدة قديمة لي، الناقد بيّن مواطن الجمال في القصيدة ومواطن الضعف فيها، ساعدني ذلك على فهم جوانب خفية في أسلوبي كنت أجهلها عن نفسي وعلى تحسين هذا الأسلوب. لم يكتب الناقد قصيدة بديلة عن القصيدة التي ينتقدها حتى يكون نقده مفيداً لي ومفيداً لعموم قراء الشعر حتى تتحسن ذائقتهم الشعرية وقدرتهم على تقييم الشعر وتذوقه. ولا شك أن ما يقوم به هذا الناقد وأمثاله سيدفع بعموم هذا الفن (كتابة الشعر) إلى مستويات أفضل.
ينطبق ذلك على أنواع النقد كلها سواء كان النقد في ساحة الفن كأن ينقد الكاتب قصيدة أو رواية أو فيلماً سينمائياً إذ ليس مطلوباً من الناقد أن يؤلف قصيدة أو رواية أو فيلماً بديلاً عن العمل الذي ينقده حتى يكون نقده مفيداً وضرورياً لرفع مستوى الأعمال الفنية، أو كان النقد في ساحة السياسة موجهاً للأفراد والكيانات السياسية يبين جوانب القصور والخلل في أطروحاتهم وطريقتهم في العمل حتى يؤسس لقواعد صحيحة في التفكير السياسي والممارسة السياسية. لا يعني ذلك عدم الحاجة إلى طرح البدائل ولا يعني أنه لا يجوز للناقد أن يطرح البدائل، لكن ليست هذه مهمته الأساسية، وإنما هي المهمة الأساسية للجهات التي ينتقدها، أن تستفيد من النقد في تطوير عملها وفي طرح البدائل والحلول، بدلاً من الاستمرار فيما هي عليه ورفض أي نقد وأي دعوة للتغيير بتكرار تلك الحجة الممجوجة: وما البديل؟


لماذا أحب (المجال السياسي) تنظيراً وممارسة
بدايةً، المجال السياسي عندي هو تمكين الناس من معرفة حقوقهم والدفاع عنها وتحريرهم من أشكال الاستبداد كافة الظاهر منها والخفي، أما لماذا أحبه؛
لأنه المجال الأكثر إثارة وغنى وتنوعاً إذ فيه يتقاطع الديني مع الفلسفي مع التاريخي مع الاجتماعي مع النفسي مع الإداري وهو المجال الأكثر امتلاء بكل ما هو غامض وجديد والأكثر استفزازاً للعقل والروح حتى يخرج منهما أفضل ما فيهما من طاقة وإبداع
لأنه المجال الذي تترجم فيه النظريات إلى أفعال، وتترجم الأفعال إلى نتائج، فيبقى ما ينفع الناس ويذهب غير ذلك
لأنه المجال الذي يستطيع فيه المربي والواعظ والكاتب والفنان أن يجني ثمار ما يبذره، بل إن ترك هذا المجال لأصحاب المطامع الشخصية والأمراض الأخلاقية والإيديولوجية (والسياسة هي الساحة الأكثر جذباً لهؤلاء) يمكن أن يجعل التربية والوعظ والفكر والفن أدوات لخدمة أصحاب المطامع هؤلاء أو لتخدير الناس وتحييدهم عن مواجهتهم بحجة الإعداد ليوم - لن يأتي - يصبحون فيه قادرين على خوض هذا المجال. أقول (لن يأتي) لأن القدرة على خوض هذا المجال لا تُبنى إلا بالخوض فيه وكل تأخير في ذلك يؤخر بناء هذه القدرة، وهذا سبب الحرب الشديدة على من يخوض هذا المجال ليحقق مصالح الناس، ولكن تحقيق كرامة البشر برأيي هو من نور الله الذي يأبى إلا أن يتمه
لأنه المجال الذي يمكن أن يتحول فيه الدين إلى أفيون للشعوب أو إلى محرِّر يحررها من العبودية لغير الله، ومن كان يحب دينه مثلي، لا شيء أبغض عليه من أن يرى دينه يستخدم كأفيون، ولا شيء أحب إلى نفسه من أن يراه يقوم بالدور الذي وجد من أجله وهو تحرير الناس من العبودية لغير الله
لأنه المجال الذي يُمتحن فيه الصدق أدق امتحان، فهو يمكن أن يكون طريقاً لخدمة (الأنا) وتحصيل المال والجاه أو طريقاً لخدمة الآخرين والتضحية من أجلهم إلى حد بذل الروح وبالصدق تحيا الأمم وترقى وتسود وبغيابه تذل وتتدهور وتخسر الدنيا والآخرة


الفضيلة الغائبة
الاستقالة من المنصب نتيجة خطأ فادح ارتكبه المستقيل أو لشعوره أنه لا يعطي المنصب حقه أو لأنه لم يصل من خلال وجوده في المنصب إلى النتائج المنتظرة منه هي فضيلة غائبة عن ثقافتنا وممارساتنا.
مسؤولون في المعارضة قضوا في مناصبهم عشرة أعوام، لم يطلقوا خلالها معتقلاً واحداً ولم يكشفوا عن مصير مفقود، لم يحموا أرضاً محررة من السقوط، ولم يحموا أرضاً يعيش عليها السوريون الأحرار من القصف والمجازر المستمرة، لم ينجحوا في توحيد العسكر، ولم ينجحوا في إدارة الشمال، ولم يستطيعوا حتى حماية القرارات الدولية التي انتزعها السوريون بدمائهم والتي يفترص أن تؤدي إلى انتقال سياسي بل مسخوها وفق الرؤية الروسية إلى كتابة دستور مع النظام الذي يزعمون أنهم يقودون من ثاروا عليه! هؤلاء لا يكتفون بعدم الاستقالة وحسب، بل كلما أبعدوا عن منصب بحثوا لهم عن منصب آخر!
فصيلان في الغوطة يقع بسبب اقتتالهما عشرات الشهداء من خيرة شبابنا في منطقة صغيرة محاصرة من قبل النظام، من يتحمل مسؤولية هذا الاقتتال والدماء التي سفكت؟ لا أحد. المفروض أن يُحاكم قائدا هذين الفصيلين وعلى الأقل أن يستقيلا من منصبهما بعد النزوح إلى الشمال، يستمران في منصبهما وكأن شيئاً لم يكن!
الاستقالة شعور بالمسؤولية وكرامة نفس وإفساح المجال لدماء جديدة واعتراف من المستقيل أنه إنسان يخطئ ويصيب وليس العبقري المعجزة والقائد الضرورة الذي تضيع الأمة من دونه ولا يستطيع أحد أن يحل مكانه!


كل من تبوأ منصباً رسمياً في قيادة الثورة أصبح شخصية سياسية عامة وعليه أن يكرس جزءاً مهماً من وقته للتواصل مع الناس الذين يمثلهم والحديث إليهم، سواء بشكل فيزيائي وهو الأفضل كلما كان ذلك ممكناً، أو من خلال وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي،
الهدف من هذا التواصل ليس المجاملات الاجتماعية والتقاط الصور وإنما أن يبين للناس الذين يفترض أنه يمثلهم ما هي أفكاره وما هي مواقفه من القضايا التي تهمهم والتي يفترض أنه موجود في منصبه للدفاع عنها وأن يشرح لهم ماذا يفعل للدفاع عن هذه القضايا
ليس صحيحاً أن الخلل في السوريين وأنهم (يحرقون) قاداتهم، الخلل فيمن يريدون أن يكونوا قادة دون أن يدفعوا الثمن!