cover

حكامنا.. هل يحبوننا!؟

عندما بلغ ابني عبد السلام من العمر سنةً وشهراً وعشرين يوماً خطا خطواته الأولى. بعدها أخذ يتجول في المنزل بعينيه الواسعتين وضحكته الآسرة مستنداً إلى الجدران ومتمسكاً بكل ما تقع عليه يديه الصغيرتين من أثاث وعلى ذراعيه وساقيه تناثرت بعض الخدوش والكدمات الصغيرة التي سببها تعثره بين حين وآخر وهو يحاول السير لوحده من غير التمسك بشيء

تصوروا حال عبد السلام بعد أربعين عاماً لو أنني وضعت القيود في قدميه ومنعته من السير ومن استخدام القدرات التي أعطاه الله إياه. سيصبح كتلة من اللحم والدم عاجزة عن السير.. خائفة.. معقدة. تصوروا لو أنني بررت هذه الجريمة التي ارتكبتها بحق ابني بأنني فعلت ذلك خوفاً عليه من التعثر وإشفاقاً عليه من الكدمات والخدوش التي يمكن أن تصيبه فيما لو تعثر في أثناء محاولاته الأولى

هذا بالضبط ما تفعله الأنظمة الشمولية بشعوبها. تقيدها وتفرض الوصاية عليها وتمنعها من ممارسة حريتها وحقوقها الأساسية ومن استخدام القدرات التي منحها الله إياها وتتركها عاجزة خائفة مشلولة فاقدة الثقة بنفسها وتدعي أنها تفعل ذلك (حباً بها) و(حرصاً عليها) و(لحمايتها) من الفوضى والاضطراب. هذه الأنظمة تحول شعوبها (بالقمع والإرهاب) إلى ما يشبه الجثة الهامدة التي لا تشتكي من جور ولا تطالب بحق ولا ترفع صوتها في وجه ظالم وتبرر فعلتها هذه بالحفاظ على الأمن والاستقرار

صحيح أنني وضعت بعض القيود على حركة عبد السلام لحمايته، لكنني خففت هذه القيود يوماً بعد يوم، خففتها وأنا أراه يكبر وتكبر معه قدرته على تدبر شؤونه بنفسه. فعلت ذلك لسببين: أولاً؛ لأنني أحب عبد السلام ذلك الحب الأبوي الذي لا يعرفه إلا الآباء، وثانياً لأنني أؤمن به وبما أودع الله فيه من قدرات وأعتبر أن مهمتي في هذه الحياة هي تهيئة أفضل الظروف لنمو هذه القدرات تماماً كالمزارع الذي يهيئ للبذور أفضل الظروف لتنمو وتصبح أشجاراً باسقة، وعندما أغمض عيني وأتخيل عبد السلام في المستقبل أراه رجلاً حراً قوياً قادراً على تدبر كل شؤونه بنفسه

يا ترى هل يحبنا حكامنا؟ هل يؤمنون بنا؟ هل يلعبون دور المزارع الذي يهيئ لنا أفضل الظروف للنمو والانطلاق؟ يا ترى عندما يغمض حكامنا أعينهم ويتخيلوننا في المستقبل، هل يحبون أن يروننا متحررين أقوياء قادرين؟

ليس الهدف من هذا المقال استجداء الحب من الحكام وانتظاره منهم بل هو دعوة للكثيرين من المثقفين ورجال الدين ممن يحاولون ـ عن غفلة أو خوف أو رغبة في مصلحة! _ دعوة الشعوب إلى تصديق ما تدعيه الأنظمة الشمولية من أنها تقيد شعوبها (حباً بها) و(حرصاً عليها). أدعو هؤلاء جميعاً لكي يخرجوا عن صمتهم وينحازوا إلى شعوبهم ويصبحوا من المدافعين عن حقوقها وحريتها وكرامتها، أدعوهم ليقوموا بدورهم الطبيعي في قيادة هذه الشعوب في معركة الحرية والكرامة

2007 - الدكتور ياسر تيسير العيتي

Share