cover

خواطر 2025-1

• ما يهمنا هو أن تنقلنا المرحلة الانتقالية إلى وضع يختار فيه الشعب السوري من يحكمه عن طريق الانتخاب وأن يكون المجتمع السوري مجتمعاً معافى نفسياً يحمل تقديراً عالياً لذاته قادراً على إفراز قوى سياسية منظمة تقدم برامج تعبر عن مصالحه وتتنافس فيما بينها للوصول إلى الحكم من خلال الصندوق، عندما يصبح الانتقال إلى هذا الوضع هو غاية أغلبية السوريين نكون قد عبرنا بسورية إلى بر الأمان



• كلمة (الاستقرار) اليوم لها وقع سحري في نفوسنا وخصوصاً نحن أهل الثورة الذين ذقنا الأمرّين بسبب عدم الاستقرار سواء عندما كنا ملاحقين من النظام مهددين في حياتنا أو محاصرين تنهمل علينا البراميل أو نازحين ومهجرين في سورية وخارجها
لا يوجد أحرص منا نحن أهل الثورة على الاستقرار والأمن في سورية الجديدة ولأننا نريده استقراراً وأمناً حقيقياً دائماً راسخاً تتوارثه الأجيال لا استقراراً ظرفياً مرتبطاً بمصالح دول أو بوجود شخص ما أو جماعة ما في السلطة، لأننا نريد استقراراً وأمناً دائماً راسخاً في سورية الجديدة نعمل على تغيير ثقافة المجتمع حتى يدرك أنه هو المعني بصناعة الاستقرار واستدامته بوعيه وتحمله لمسؤولياته وتنظيم صفوفه مجتمعياً وسياسياً حتى يبني دولة مؤسسات وقانون لا يرتبط استقرارها وازدهارها بشخص أو حزب أو جماعة
هذا التغيير في ثقافة مجتمعنا هو التحدي الأكبر أمامنا حتى نحافظ على مكاسب ثورتنا وحتى نحول الاستقرار الهش الحالي إلى استقرار راسخ لا خوف بعده بإذن لله



• هناك من يسعى إلى المنصب لخدمة الناس، وهناك من يسعى له لمكاسب شخصية مادية ومعنوية والتفريق بينهما ليس بالأمر الصعب حتى على المواطن العادي البسيط
يكون النوع الأول مقصراً إن لم يسع إلى المنصب ويتحمل مسؤولياته، ونكون نحن المقصرين إن سمحنا للنوع الثاني بالوصول إلى المنصب أو البقاء فيه إن وصل، يكون ذلك بأن نرفع صوتنا عالياً ضد أي تجاوز وأن نصنع رأياً عاماً ومزاجاً شعبياً لا يسمح بوصول المتسلقين وبقائهم



• خبرية أن الرئيس القوتلي قال لجمال عبد الناصر (أسلمك بلداً يضم أربعة ملايين زعيم) وكان ذلك هو عدد سكان سورية في ذلك الحين - تحتاج إلى تحقق لأنني لم أجد حتى الآن مصدراً تاريخياً موثوقاً يذكر أن القوتلي قال هذا الكلام
بجميع الأحوال وصف السوريين بأن أكثريتهم يحبون القيادة لا أجده وصفاً دقيقاً، نعم هناك فئة من السوريين تحب التصدر وتسلم المناصب لذات المنصب وليس لخدمة الناس وهؤلاء على قلتهم صوتهم مرتفع وضجيجهم عالٍ فلذلك يظهرون أكبر من حجمهم الحقيقي ولأن الاستياء منهم شديد من بقية السوريين فصوت المستائين مرتفع أيضاً أكثر مما ينبغي وهذا يساهم في إعطاء الظاهرة أكثر من حجمها الحقيقي
السبب الآخر الذي يعطي ظاهرة (حب السوريين للقيادة) أكثر من حجمها الحقيقي هو كثرة اعتراض السوريين على من يتصدرون المناصب فيبدو الأمر وكأن سبب الاعتراض هو أن المعترضين يريدون هذا المنصب لأنفسهم وهذا قد يكون صحيحاً في بعض الحالات لكنه لا ينطبق على عموم السوريين، في معظم الحالات يكون وجه الاعتراض تجاوزات معينة يقوم بها من في المناصب، السوريون يلتفون حول القيادة التي يقتنعون أنها تعمل لمصلحتهم ولا أدل على ذلك من التفاف السوريين اليوم حول القيادة الحالية لأنهم يعتقدون أنها ستعمل لمصلحتهم
وصف عموم السوريين بأنهم يحبون الزعامة ليس دقيقاً وهو من أشكال البرمجة الذاتية السلبية التي تدفع السوريين إلى النظرة السلبية إلى أنفسهم وإلى انكفاء أصحاب الكفاءة عن المناصب خوفاً من اتهامهم بحب الزعامة
نعم ستظل هناك فئة من السوريين تحب الزعامة الفارغة القائمة على التسلط ومواجهة هذه الفئة تكون بإعادة تعريف القيادة عند السوريين، عندما تكون القيادة في الوعي السوري العام إيماناً بالناس وتمكيناً لهم وتحقيقاً لمصالحهم لن يتقدم إلى القيادة إلا من يعمل بهذا المفهوم ولن يقبل السوريون إلا قادة من هذا النوع ولن تكون هناك أي فرصة لعشاق المناصب لذاتها الذين يسعون لها من أجل التصدر والتزعم الفارغ من مضمون القيادة الحقيقي، سيمنعهم وعي الناس من الوصول إلى المناصب، وإن وصلوا سيحول دون بقائهم فيها طويلاً


• عبر تاريخ البشرية لا يشارك في الثورات إلا نسبة قليلة من الشعب تتراواح من 5-10%، الأكثرية تلتزم الصمت وتنتظر نتيجة المواجهة لتصطف إلى جانب المنتصر
سنظل فئة قليلة نحن أبناء هذه الثورة وهذا فخر لنا ومسؤولية على عاتقنا أن نكمل مهمتنا في إحداث التغيير الثقافي المنشود في المجتمع السوري حتى يسترد ثقته بنفسه ويأخذ أمره بيده وعياً وتنظيماً خارج إطار الانقياد والتصفيق الذي اعتاده عقوداً من الزمن


• روعة سورية ليست بطبيعتها الأخاذة ولا بمواردها الغنية ولا بمطبخها الألذ ولا بأوابدها الخالدة وحسب، علماً بأن كل ما سبق يجعلها من أروع بلاد العالم وأغناها مادياً ومعنوياً
روعة سورية بإنسانها، السوري الجميل، طيب المعشر، المرن، المبدع، المحب للحياة، الطموح، لين الجانب، المضياف، المتقبل للآخر، المحتفل بتنوعه، صاحب النكتة، خفيف الظل، الصبور، الجاد في عمله، عزيز النفس، ذو الأنفة، من يحمل في مورثاته آلاف السنين من الحضارة
روعة سورية بإنسانها الذي كفر به نظام الأسدية البائد وأعد لوأد تطلعاته أكثر سجون العالم توحشاً ولما طلب حريته وكرامته انهال عليه بما يعادل عشرات القنابل الذرية وبالسلاح الكيماوي واستعان عليه بأقوى دولة عالمية وأقوى دولة إقليمية وجلب لوأد حريته كل خبث الأرض ومع ذلك انتصرت إرادة السوري الحرة وكانت قصة انتصاره من أعظم وأجمل قصص انتصار الثورات في تاريخ البشرية
بقي أمامنا أن نكمل الطريق ونبني دولة الحق والعدل والقانون التي تليق بكرامة السوري الحر الجميل وبتضحياته العظيمة


• (لأن أرعى الغنم عند يوسف بن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير عند الفونسو)
بهذا أجاب المعتمد بن عباد ملك قرطبة عندما عاتبه قومه لأنه استعان بأمير المرابطين يوسف بن تاشفين لمحاربة الفرنجة
أخرج البعض هذه العبارة من سياقها التاريخي وحولوها إلى منهج حياة! وصاروا يستشهدون بها للقبول باستبداد القريب بحجة مواجهة تدخل الغريب
خلقنا الله أعزة كراماً لا لنرعى خنازير أحد أو أغنام أحد وحاشا له أن يأتي بنا إلى هذه الدينا ليضعنا بين هذين الخيارين البائسين


• في قصة الخضر عليه السلام في سورة الكهف أقدم الخضر على تصرفات ظاهرها الضرر (خرق السفينة – بناء الجدار – قتل الغلام) ولكن عندما شرح الخضر في نهاية القصة ملابسات تصرفاته تبين أنها كانت منطقية لأنها كانت لدفع ضرر أكبر
في السياسة يقدم صانع القرار أحياناً على قرارات لا تعجب الناس لكن بقليل من الشرح والتوضيح يتفهم الناس (ليس بالضرورة كلهم) ملابسات القرار فيقبلون به، في المجتمعات الحرة التي يحترم فيها الحاكم إرادة الناس وعقولهم يكون هناك فضاء سياسي وإعلامي حر لنقد تصرفات الحكومة وقراراتها يبرز فيه كل طرف حججه ومبرراته وهكذا ينشأ جو عام من حرية التعبير والنقاش السياسي يردع الحكومة عن التسلط ويجعلها في موضع الحرص على المصلحة العامة لأن هناك رأياً عاماً يراقبها ويحاسبها
بالمقابل في المجتمعات التي اعتادت العبودية والتي يحكمها أشخاص لا يؤمنون بالناس ولا يحترمون عقولهم وإرادتهم، تسود الباطنية طريقة عمل الحكومة فلا أحد يعرف كيف ولماذا ويكون المطلوب من الجميع المدح والإشادة فقط ولا حاجة للحكومة أن تقدم أي تبرير فهي أدرى بمصلحة الناس منهم ويُقمَع كل انتقاد إما قمعاً ذاتياً ناعماً يمارسه المجتمع على نفسه بحجة عدم إثارة الفتنة والفوضى وعدم إزعاج القيادة الرشيدة أو قمعاً خارجياً خشناً تمارسه السلطة على المجتمع بمنع حرية التعبير واعتقال الناس على مقالة أو حتى على منشور كما كان يفعل النظام البائد
قد يُفرَض على الحاكم من قوى خارجية اتخاذ قرارات ليست في صالح البلاد، وجود رأي عام رافض لهذه القرارات يساعد الحاكم على رفضها، قد توجد قوى معينة في المجتمع تضغط على الحاكم لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الصالح العام وجود رأي عام رافض لهذه القوى يساعد الحاكم على مواجهتها
نعم حرية التعبير وحرية الانتقاد تؤدي إلى أصوات جاهلة وإلى أصوات مغرضة وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع لكن الحل ليس بإسكات كل الأصوات وتحويل المجتمع إلى حشد من المصفقين وإنما بإفساح المجال للأفكار بالظهور والتدافع حتى تتحقق السنة الربانية (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)


• الفوضى تبدأ في رؤوسنا ثم تنتقل إلى الواقع وليس العكس! عندما تستقر في عقولنا فكرة أننا شعب فوضوي لا تصلحه إلا عصا الاستبداد سنتصرف على هذا الأساس وسنجد أنفسنا فعلاً أمام خيارين: الفوضى أو الاستبداد، ستقودنا الفوضى إلى الرضا بالاستبداد، وسيقودنا الرضا بالاستبداد بعد فترة قصيرة أو طويلة إلى انفجار المجتمع والفوضى مرة ثانية، وهكذا سننوس بين الفوضى والاستبداد دون أن تقوم لنا قائمة بين أمم الأرض
أما إذا استعدنا ثقتنا بأنفسنا وآمنا بأن الله خلقنا كراماً أعزاء لا قطيعاً يساق بالعصا، فسنتصرف على هذا الأساس وسنبدأ ببناء قدراتنا الفردية والجماعية التي تمكننا من إنتاج قوانا المجتمعية والسياسية المنظمة التي تفرز طبقة من القادة المجتمعيين والسياسيين وهكذا لا نعود أيتاماً عاجزين معلقين مصيرنا بشخص واحد لا نعرف ما الذي سيحل بنا عند غيابه!


• بين قيم الثورة وأدواتها
قامت هذه الثورة على قيم عليا يمكن تلخيصها بثلاثة: الحرية والعدالة والكرامة
الحرية تعني حرية التعبير والتنظيم، حرية التعبير حتى يحسب الحاكم حساب الرأي العام فلا يشط ولا يستبد، وحرية التنظيم حتى ينتج المجتمع قواه المجتمعية والسياسية المنظمة التي تحميه من الوقوع في براثن الحزب الواحد والقائد الخالد
والعدالة تعني التساوي أمام القانون من رأس الدولة إلى أصغر فرد فيها فلا أحد فوق القانون والمساءلة والمحاسبة، والعدالة تعني التساوي في الفرص الاقتصادية حتى لا نقع في الاحتكار الاقتصادي والمافيات الاقتصادية التي تعمل لصالح فئة صغيرة على حساب الصالح العام، والعدالة تعني التساوي في الفرص السياسية حتى لا نقع في الاستبداد وحتى لا يغيب التدافع والتنافس السياسي الذي يضمن وصول الأكثر كفاءة وإخلاصاً إلى سدة الحكم
أما الكرامة فتعني ألا يكون هناك أي اعتداء مادي أو معنوي على الإنسان، في دولة الكرامة لا يمس جسد الإنسان بسوء فلا اعتقال إلا تحت سقف القانون ولا ضرب ولا تعذيب، وفي دولة الكرامة لا تمس روح الإنسان بسوء فلا سب ولا شتم ولا اعتداء على مقدساته
أدوات الثورة من تظاهر لإسقاط النظام إلى ثورة مسلحة ضده انتهت لأننا دخلنا طور الدولة أما قيم الثورة من حرية وعدالة وكرامة فهي باقية متجددة و#سورية_الجديدة لا تقوم إلا بها


• العالم (الافتراضي) هو جزء من العالم (الواقعي) لأنه يساهم في تغيير الأفكار والمشاعر والسلوكيات وهذا كله ينعكس على أرض الواقع
صحيح أنه لا يجوز أن يقتصر التفاعل مع الآخرين على العالم الافتراضي حتى لا ينعزل الإنسان عن الواقع، لكن لا يجوز النظر بسلبية وتعالٍ إلى هذا العالم بسبب ما فيه من أخطاء معرفية كنقل معلومة دون تحقق أو إبداء الرأي في مسألة دون معرفة كافية أو بسبب ما فيه من أخطاء أخلاقية كالتكبر والظلم والتجني فهي أخطاء موجودة في العالمين الواقعي والافتراضي والعالم الافتراضي فرصة لرصدها والاشتباك معها وتصحيحها وهذا يسرع عملية الإصلاح والتغيير على أرض الواقع
الصبر والتواضع وسعة الصدر والإيمان بالناس وقابليتهم للتغير هي الشروط اللازمة للتأثير في الآخرين في الساحتين الواقعية والافتراضية، وهما ساحتان لا تحتملان الفراغ فإن لم ندفع إليهما بالسمين سيملؤهما الغث وفي النهاية (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)

Share