الأحزاب الوطنية في المرحلة الانتقالية ضرورة وليست ترفاً
قامت ثورة السوريين من أجل (الحرية) والحرية في معناها السياسي أن يكون السوريون أحراراً في التعبير عن آرائهم وأحراراً في تنظيم أنفسهم في منظمات ونقابات وأحزاب يمارسون من خلالها واجباتهم ويطالبون بحقوقهم.
أرادت الثورة أن تطوي صفحة (الحزب القائد للدولة والمجتمع) إلى الأبد بعد أن أوصل التفرد بالسلطة سورية إلى الحضيض اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وكان هذا أمراً متوقعاً كما الحال في أي نظام استبدادي فقتل الحياة السياسية في البلاد وانعدام المساءلة والمحاسبة لمن هو في الحكم وخلو الساحة الوطنية من أحزاب سياسية تتنافس من خلال برامجها على كسب قلوب وعقول السوريين كان لا بد أن يؤدي بسورية إلى ما آلت إليه ولو بعد ستين عاماً فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة ومن هنا كانت الحاجة في سورية الجديدة إلى بناء حياة سياسية سليمة تشغلها أحزاب وطنية يلتقي فيها السوريون حول الأفكار والبرامج لا حول الأشخاص والأعراق والطوائف والمناطق والقبائل أو أي شكل من أشكال الانتماءات ما قبل الوطنية التي تفرق السوريين بدل أن تجمعهم.
لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار في سورية الجديدة سواء في المرحلة الانتقالية أو فيما بعدها باستخدام القوة العسكرية والأمنية فقط، لقد فشل النظام البائد فشلاً ذريعاً لأنه اعتمد على قوته فقط وخنق الحياة السياسية في البلاد بحجة الحفاظ على الأمن والاستقرار، لقد كان يرفع دائماً شعار (الإصلاح الاقتصادي) و(الإصلاح الإداري) متجاهلاً (الإصلاح السياسي) الذي كنا نطالب به على الدوام لذلك باءت كل برامجه الإصلاحية الإدارية والاقتصادية بالفشل لأنها لم تعالج الخلل الجذري الذي تعاني منه البلاد وهو غياب السياسة وخلو الساحة من الأحزاب الوطنية التي تعزز منطق الدولة والمؤسسات وحكم القانون واعتماد الولاء للقائد والحزب الحاكم أساساً للتعيين في المناصب مما أدى إلى انتشار المحسوبيات والفساد وانعدام المراقبة والمحاسبة وتراكم الأخطاء والاختلالات في جسم الدولة والمجتمع وصولاً إلى انفجار الوضع على شكل ثورة شعبية شاملة.
لقد سقط النظام البائد بالقوة لكنه ترك لنا إرثاً ثقيلاً من التمزقات في نسيج المجتمع السوري وانعدام الثقة بين مكوناته وهو إرث لا يمكن علاجه إلا بنشوء أحزاب وطنية لها حواضن شعبية واسعة عابرة للطوائف والمناطق يعزز السوريون من خلالها الفكرة الوطنية الجامعة ويديرون خلافاتهم وتناقضاتهم ويحققون مصالحهم المشتركة بالحوار والتفاوض بدلاً من التخندق الطائفي أو العرقي والتخوين المتبادل الذي يؤسس لحرب أهلية لن يربح فيها إلا أعداء سورية وأمنها واستقرارها.
ولمن يخاف أن تؤدي الأحزاب في المرحلة الانتقالية إلى تسرب المال السياسي أو أن تكون هذه الأحزاب منصات للفلول أو للقوى المعادية للشعب السوري داخلية كانت أم خارجية فإن علاج هذه المخاوف يكون بإصدار قانون أحزاب مؤقت ينظم عملها في المرحلة الانتقالية وهذا ما كفله البند 14 من الإعلان الدستوري الذي يقول نصه: (تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل أحزاب على أسس وطنية ويصدر لذلك قانون جديد)
ولمن يخاف أن تؤدي الأحزاب في المرحلة الانتقالية إلى الفوضى والصراع على المناصب في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى وحدة القرار وإلى التركيز على البناء وإعادة الإعمار نذكر أن الإعلان الدستوري وضع نظاماً رئاسياً للبلاد في المرحلة الانتقالية يحقق وحدة القرار ويوفر الانسجام المطلوب في الحكومة لأنه يربط تشكيلها بالرئيس وحده ويعطي البرلمان حق مساءلة الوزراء دون الحق في عزلهم، كما أن الإعلان الدستوري لا ينص على إجراء انتخابات عامة رئاسية أو برلمانية أو بلدية خلال المرحلة الانتقالية وإنما يؤجل ذلك إلى ما بعد إصدار الدستور الجديد في نهاية هذه المرحلة.
إذن لا انتخابات ولا تنافس على المناصب في المرحلة الانتقالية لكن هذا لا يعني ألا نبدأ منذ الآن بتشكيل أحزاب وطنية ينظم السوريون من خلالها أنفسهم سياسياً، فتشكيل هذه الأحزاب ونضوج تجربتها الحزبية يحتاج إلى وقت، والوقت في المرحلة الانتقالية من ذهب لأنها فرصتنا الوحيدة للدخول إلى دولة القانون والمؤسسات وإلا سنجد أنفسنا في نهاية المرحلة الانتقالية مشتتين مذرريين من دون أحزاب وطنية ومن دون طبقة من القادة السياسيين وإنما بحزب واحد وقائد خالد وكأنك يا زيد ماغزيت!