cover

(الأمن السياسي) في سورية (القديمة)

(مفكر حالك بسويسرا دكتور؟ هي البلد ما بتنحكم إلا هيك، قبل ما نجي عالحكم كل كم سنة كان يصير انقلاب، ما استقرت البلد خمسين سنة إلا بطريقتنا) هذا ما قاله لي ضابط الأمن في فرع الأمن السياسي في منطقة الجبة بدمشق في أحد الاستدعاءات الأمنية المتكررة بسبب مطالبتنا في إعلان دمشق بالانتقال إلى نظام سياسي تعددي ينهي حكم الحزب الواحد، تلك المطالبة التي انتهت باعتقالي مع قيادة الإعلان كاملة عام 2008 ثم الحكم علينا بالسجن لعامين ونصف بتهمة (المس بهيبة الدولة).

مقولة الضابط تلك تلخص المفهوم الذي أسس لحكم المقبور وابنه الفار من بعده لأكثر من ستة عقود وخلاصته: "الشعب السوري شعب مختلف عن بقية شعوب الأرض وبالتالي لا تحق له الحرية السياسية التي تتمتع بها شعوب الأرض، هو شعب قاصر متخلف لا يستطيع أن يعيش حراً لأنه لا يعرف مصلحته والحرية ستأخذه إلى الفوضى والدمار وبالتالي لا بد من فرض الوصاية عليه من فئة قليلة تعرف مصلحته أكثر منه وتأخذه رغماً عنه إلى حيث هذه المصلحة ولو بالقمع والسجون والنار والحديد).

بعد أن من الله علينا بالنصر وفتحنا صفحة جديدة في سورية الجديدة وأعلنا ( قطيعة تاريخية مع كل موروث ومفارقة دائمة لحقبة الاستبداد) كما جاء على لسان الرئيس أحمد الشرع في خطابه في الاحتفال بذكرى التحرير الأولى في قصر المؤتمرات في دمشق، وجب علينا أن نعلن القطيعة مع المفاهيم التي أدت إلى الاستبداد وعلى رأسها ذلك المفهوم الذي حاججني به ضابط الأمن ليبرر قمع النظام البائد لكل صوت يطالب بحياة سياسية تعددية تنهي احتكار فئة واحدة للسلطة.

إن تغيير المفاهيم التي أدت إلى الاستبداد يبدأ بتغيير مفهومين أساسيين استثمر النظام كثيراً في تشويههما وحرفهما عن حقيقتهما وهما مفهومي (الأمن) و(السياسة).

أما مفهوم الأمن عند النظام البائد فكان يعني قتل الحياة السياسية وقمع كل صوت معارض، فالأمن عنده كان أمن السلطة لا أمن الشعب، أن تأمن السلطة وجود أصوات معارضة وأن تأمن المساءلة والمحاسبة وأن تأمن الاستبدال يوماً عبر صناديق الاقتراع في انتخابات حرة نزيهة إذا اقتنع الشعب برؤية وبرامج وأداء قوى سياسية أخرى غير حزب البعث الذي نصب نفسه قائداً للدولة والمجتمع إلى الأبد، ذلك الأمن الموهوم صنع مظالم في المجتمع السوري وأوجد تناقضات بينه وبين السلطة استطاع النظام البائد أن يقمعها بالنار والحديد عقوداً من الزمن لكنها تراكمت تدريجياً إلى أن انفجرت في وجهه على شكل ثورة عارمة واجهها بعنف - لا يجيد غيره إذ ألغى السياسة من المجتمع!- فقتل مليون من السوريين وهجر نصفهم ودمر نصف سورية لينتهي به الأمر مهزوماً مدحوراً في انهيار كامل لمنظومته الأمنية والعسكرية التي ظنها ستحميه إلى الأبد. إن القطيعة مع الاستبداد في سورية الجديدة تقتضي القطيعة مع مفهوم الأمن القديم القائم على قمع حرية التعبير وحرية التنظيم وتأسيس مفهوم جديد للأمن قائم على العدالة والمشاركة وتكافؤ الفرص السياسية والاقتصادية، مفهوم جديد للأمن يجعل تحقيقه مرتبطاً برضا الناس لا بتخويفهم، وبالإيمان بالسوريين وأهليتهم للحياة الحرة الكريمة لا بالكفر بهم واعتبارهم قصّراً لا يستحقون حرية التنظيم السياسي، ذلك هو الأمن الحقيقي الذي يدوم ويرسخ ويحقق الاستقرار الاجتماعي والسياسي في سورية الجديدة.

أما المفهوم الثاني الذي شوهه النظام البائد والذي لن تكون سورية جديدة بحق إن لم يتم تغييره في عقول السوريين فهو مفهوم (السياسة) فالسياسة عند النظام البائد كانت نشاطاً شيطانياً محظوراً لأنه يسبب الفوضى ويزعزع الاستقرار وبالتالي كان يجب وأد الحياة السياسية ومنع ممارسة السياسة – إلا من خلال حزب النظام البائد وأحزاب جبهته الوطنية الشكلية – بينما السياسة في حقيقتها أحزاب تتنافس برؤاها وبرامجها على كسب عقول الناس وقلوبهم، وتدافع سلمي حضاري في المجال العام لتوخي الحزب الذي يقدم البرنامج الأفضل وطنياً والذي يجده السوريون هو الأفضل ليكون في سدة الحكم والقرار بأدائه الجيد وحجته المقنعة وشفافيته في التعامل معهم واستجابته لمطالبهم وتحقيقه لمصالحهم.  

 إن حراجة المرحلة الانتقالية وحاجة سورية إلى وقت لتأسيس البنية التحتية العملياتية والقانونية اللازمة لانتخابات حرة نزيهة، كل ذلك يقتضي وجود فريق واحد يقود سورية خلال المرحلة الانتقالية من دون استبدال ويقتضي أن تؤجل الانتخابات البرلمانية والمحلية والرئاسية المباشرة من قبل الشعب إلى ما بعد إقرار الدستور الجديد وهذا ما لحظه الإعلان الدستوري الذي جعل النظام السياسي رئاسياً في المرحلة الانتقالية لكنه لحظ في الوقت نفسه ضرورة البدء بإحياء السياسة والمشاركة السياسية وتأسيس الأحزاب الوطنية في أثناء هذه المرحلة وليس بعد انتهائها حيث ينص البند الأول من المادة 14 من الإعلان الدستوري على (تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقاً لقانون جديد)، إن تأسيس أحزاب سياسية على أسس وطنية تعمل بشكل مؤسساتي عصري لها قواعدها الشعبية ورؤاها وبرامجها الواضحة وقياداتها التي تحظى بالقبول والاحترام من قبل السوريين يستغرق أعواماً لا شهوراً، لذلك حتى يكون السوريون جاهزين سياسياً عند انتهاء المرحلة الانتقالية، بعد أربعة أعوام تقريباً، لا بد من الإسراع في تشكيل المجلس التشريعي وأن يكون في مقدمة القوانين التي يسنها قانون أحزاب عصري ينظم الحياة السياسية في سورية الجديدة.

عندما نصحح مفهومي (الأمن) و(السياسة) في سورية الجديدة لا تعود هناك حاجة لفرع مخابرات اسمه (الأمن السياسي) فالأمن في سورية الجديدة تضمنه الحريات السياسية لا قمعها، والحريات السياسية في سورية الجديدة هي التي تضمن الأمن الحقيقي الدائم لا فروع المخابرات.

Share