cover

التجربة الانتخابية والحاجة إلى إدخال السوريين في (السياسة)

كشفت أول تجربة انتخابية خاضها الشعب السوري بعد إسقاط النظام حجم الفراغ السياسي الذي يعاني منه المجتمع السوري بعد ستة عقود من التصحير السياسي الممنهج الذي مارسه النظام البائد في دولة (الحزب القائد للدولة والمجتمع).

لم تكن التجربة مثالية لاستحالة إجراء انتخابات مباشرة إلا أنها أفرزت ظاهرتين واضحتين:

أولاً، كثرة المرشحين حيث بلغوا حوالي 140 مرشح في دمشق (من أصل 500 هم الهيئة الناخبة) و220 مرشح في حلب وريفها (من أصل 700 هم الهيئة الناخبة)

ثانياً، معظم التصويت كان على أساس الولاء المناطقي أو الولاء لجماعة أو فصيل أو شخص، وليس عن قناعة ببرامج المرشحين وما سيقدمونه في المجلس التشريعي القادم

إن سبب هاتين الظاهرتين لا يقل وضوحاً عنهما وهو الفراغ السياسي الذي يعاني منه المجتمع السوري وغياب الأحزاب السياسية التي تجمع الناس حول رؤى وبرامج بدلاً من الاجتماع حول الولاءات للمناطق والجماعات والفصائل والأشخاص، ولعل ذلك يكون حافزاً للمجلس التشريعي القادم ليضع في أولوياته إصدار قانون أحزاب ينظم من خلاله السوريون صفوفهم ويعملون تحت الضوء ضمن تنظيمات سياسية وطنية لها رؤاها وبرامجها الواضحة التي يجتمع حولها الناس.

ما لفت النظر أيضاً خلال هذه التجربة كلام مفاده أن المجلس التشريعي القادم يجب أن يكون مجلساً (تقنياً) لا (سياسياً) حيث يعرّف أصحاب هذه الفكرة الرأي التقني بأنه رأي الخبراء والمختصين الحيادي الذي لا يقبل النقاش، بينما الرأي السياسي هو الرأي الذي تحركه الرغبة في المناكفة لا لمصلحة البلد وإنما لمصلحة فئوية ضيقة سواء كانت الفئة هنا حزباً أو جماعة أو عشيرة أو عائلة أو منطقة أو فصيلاً أو حتى شخصاً تحيط به عصبة تمجده!

ينسى أصحاب هذا الكلام أن السياسة بالمعنى الذي يعرّفونه هي السياسة أيام النظام البائد حيث كان من يمارسونها من عباد المناصب والمصالح لا أصحاب رؤية ورسالة يسعون إلى خدمة بلدهم وشعبهم من خلال ممارسة السياسة

ينسى أصحاب هذا الكلام أن التعريف الصحيح للسياسة هو: إدارة الشأن العام أو التأثير فيمن يدير الشأن العام بما يحقق الصالح العام، وهو التعريف الذي قامت الثورة السورية من أجله وهو التعريف الذي يجعل من كل سوري فاعلاً سياسياً له الحق في المشاركة في تحديد الصالح العام وفي إبداء الرأي في القرارات التي تمس الشأن العام الذي هو شأنه أيضاً. مشكلة السوريين الجوهرية مع النظام البائد هي أنه أخرج السوريين من حقل السياسة – بهذا المعنى – واحتكر وحده حق رسم السياسات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم واحتكر وحده حق تحديد (الصالح العام)

السياسة هي أن يكون لك رأي فيما تعتقد أنه يحقق الصالح العام ولك أن تدعم رأيك بما يقوله الخبراء والمختصون ويتُرك للمحاججة المنطقية أن تحسم الخلاف بالتصويت تحت قبة البرلمان أو بالنقاش المفتوح في الفضاء العام الذي يعبر فيه الناس عن آرائهم بحرية في عوالمهم الواقعية والافتراضية

دفعنا مليون شهيد حتى يدخل السوريون في حقل السياسة بوصفها حقاً في التنظيم السياسي الذي يخرج من يمثلهم ويعبر عن رأيهم ويمكنهم من المشاركة في تحديد (الصالح العام) الذي هو صالحهم جميعاً، الخوف بأن تكون هناك قرارات لا تحقق الصالح العام يُعالج بإدخال السوريين في السياسة لا في إخراجهم منها!

Share