حديث عن الثورة في جريدة (الثورة)
يراود الإنسان شعور غريب وهو يكتب في جريدة (الثورة)، تلك الجريدة الرسمية التي اتخذها النظام البائد أداة لبسط نفوذه على المجتمع السوري كما فعل بكل المؤسسات الحكومية التي حولها إلى أدوات سلطوية تعمل لمصالح فئوية ضيقة بدل أن تكون للصالح العام، وها هي جريدة الثورة تعود اليوم لتكون الناطق الرسمي باسم الشعب السوري المعبرة عن أفكار وتطلعات كل مكوناته وألوانه.
اليوم بعد انتصار الثورة السورية ومع اقتراب الذكرى الأولى للتحرير وإسقاط النظام المجرم أكثر ما تحتاج له سورية الجديدة حتى تكون (جديدة) حقاً هي التجديد في الأفكار والمفاهيم التي قام عليها النظام البائد ولعل (الثورة) وهو اسم هذه الجريدة من أهم المفاهيم التي يجب تجديدها حتى لا تصبح كلمة بلا معنى أو تنغلق على معانٍ ضيقة تفقدها أثرها الإيجابي في حياة السوريين الاجتماعية والسياسية.
(الثورة) قبل قيام الثورة السورية كانت تعني شعاراً فارغاً مستهلكاً كغيرها من شعارات النظام البائد، فالـ (الثورة) و(الوحدة) و(الحرية) و(الاشتراكية) و(المقاومة) كلها كانت كلمات لا مدلول لها على أرض الواقع بل إن الواقع يعاكسها تماماً مما حوّلها إلى جزء من مشهد النفاق والتكاذب الجماعي الذي صبغ الحياة الفكرية والسياسية في عهد النظام البائد.
منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 أصبحت الثورة تحمل معنى جديداً فهي ثورة على الظلم والفساد وهي شجاعة وتضحية وصبر وعزيمة لا تكل حتى تسقط النظام وتخرجه من حياة السوريين ومستقبلهم. وبعد أن من الله على السوريين بالنصر المؤزر والهروب الذليل لرأس النظام وانهياره بالكامل برزت وجهة نظر تقول: (لقد انتهت الثورة وبدأ بناء الدولة ومن الآن فصاعداً علينا أن نفكر بعقلية الدولة لا عقلية الثورة) وهي مقولة يمكن أن يُساء فهمها بسهولة لذلك لا بد من بسط القول فيها وذلك من خلال تحديد المعاني المختلفة التي تحملها كلمة (الثورة) وما هو المعنى المقصود في سياق هذه المقولة.
الثورة بمعنى الحراك الشعبي الهائل الذي بدأ في آذار عام 2011 بهدف إسقاط نظام الأسد والذي تحول بسبب القمع الوحشي إلى مقاومة مسلحة، الثورة بهذا المعنى انتهت بإسقاط النظام عسكرياً يوم 8/12/2024، انتهت لأنها حققت هدفها.
أما الثورة بمعنى العمل على إقامة دولة مؤسسات وقانون يخضع فيها الجميع للمراقبة والمحاسبة وتتحقق فيها العدالة الانتقالية وينخفض فيها الفساد إلى أقل المعدلات العالمية (والثورة تحمل هذا المعنى أيضاً) فهي لم تنته بعد لأن هدفها لم يتحقق إذ أنه مرتبط يتغيير ثقافة مجتمع بأكمله وتغيير الثقافة يستغرق وقتاً وجهداً وهو عمل تراكمي لا يتحقق بمجرد إسقاط النظام ومرتبط أيضاً بثورة تشريعية وقانونية تلغي كثيراً من القوانين التي شلّت السوريين وأعاقت انطلاقتهم وسهلت عمل المفسدين منهم، تحقيق هذا الهدف اليوم لا يتحقق باستخدام أدوات الثورة ضد بشار الأسد أي بالتمرد الشعبي والعسكري الواسع، لأن ما اضطر الشعب السوري إلى استخدام هذه الأدوات هي حالة القمع وكبت الحريات التي انتهت بإسقاط النظام، بينما يملك الشعب السوري اليوم مساحة معتبرة من حرية القول والتنظيم انتزعها بدمائه وهو قادر على توسيعها باستمرار من خلال حراكه الاجتماعي والسياسي الذي أصبح متاحاً، والسلطة الجديدة منفتحة على النقد وعلى الرأي الآخر وقابلة للتغيّر والتأثر وبالتالي أدوات التغيير اليوم أصبحت العمل الاجتماعي والسياسي المنظم الذي يشتبك مع تحديات الواقع السوري ويسعى إلى تلبية حاجات الناس وتحقيق مصالحهم، ولا يتخذ من السلطة موقع المعارضة الشاملة ولا التأييد المطلق وإنما ينتقد ويعارض سياسات وقرارات بعينها إن وجد فيها ما يخالف الصالح العام، ويثني على السياسات والقرارات الصحيحة التي تتخذها السلطة ويشجعها ويشكر القائمين عليها.
إذن الثورة انتهت بمعنى التمرد الشعبي والعسكري الذي كان يهدف لإسقاط النظام، والثورة مستمرة بمعنى النضال للوصول إلى دولة قانون ومؤسسات لم نصل إليها بعد، لماذا من مصلحتنا أن نقول الثورة مستمرة بهذا المعنى؟ حتى يدرك الفلول أن عزيمة الثوار لن تكل ولن تمل حتى تطهر مؤسسات الدولة من كل آثار النظام السابقة من فساد إداري وبيروقراطية قاتلة وغياب للشفافية والمحاسبة، وحتى يدرك كل من تسول له نفسه مهما كان موقعه ومنصبه إعادة ممارسات النظام البائد في التسلط والخروج عن القانون والعيش خارج المحاسبة والاعتداء على كرامات السوريين وحقوقهم، حتى يدرك كل من تسول نفسه بذلك أن جيشاً حاشداً من أبناء الثورة سيكون له بالمرصاد بالكلمة والموقف والنقد والاحتجاج فلا يرتفع في سورية الجديدة رأس لظالم أو فاسد. لماذا من واجبنا أن تستمر الثورة بهذا المعنى؟ وفاءً لدماء الشهداء الذين قضوا حتى نعيش أحراراً كراماً في دولة حق وعدل لا تشبه دولة النظام البائد في شيء، وحتى يعرف كل من يريد أن يقلد ممارسات النظام البائد أنه يقف في مواجهة ثورة لم يهدأ عنفوانها بعد ولن يهدأ عنفوانها أبداً حتى تصبح سورية الجديدة مضرب المثل في العالم في سيادة القانون وفي احترام كرامة الإنسان فلا غاية أقل من هذه الغاية تساوي نهر الدماء الغالية التي جرت في هذه البلاد.