خواطر 2025-12
• لو خرج الشيخ الذي مدح النظام البائد في تسجيل قصير يقول:
كنت مكرهاً وأسأل الله أن يغفر لي كل كلمة مدح قلتها تحت الإجبار والإكراه، لم أملك شجاعة العلماء الذين وقفوا في وجه إجرام النظام البائد فهُجّروا وحوصروا وقُتلوا والذين لولا شجاعتهم وتضحياتهم لما تخلصنا من هذا النظام المجرم، أرجو من الشعب السوري أن يسامحني وأسأل الله العلي القدير أن يغفر لي، وإني أضع نفسي تحت القضاء إن أراد أي سوري مقاضاتي
كلمات قليلة في دقيقة ونصف كافية لتمحو الكثير من الغضب والألم الذي يملأ قلوب الضحايا، معظم أبناء الثورة الذين ضحوا بالغالي والرخيص من أجل خلاص كل السوريين متسامحون طيبون لا يعرفون الحقد لكن يسوؤهم التعالي عليهم وتجاهل آلامهم
رحم الله العالم المحدث المجاهد رياض الخرقي أبو ثابت الذي استشهد في الغوطة الشرقية وهو يوعّي الناس ويثبّت المجاهدين ويعلي كلمة الحق والعدل
• يرتبط شعور الإنسان بالأمان بقدرته على التكيف مع المتغيرات لا من بحثه عن الاستقرار
• زوال العقوبات الخارجية عن سورية إنجاز كبير يستحق الفرح والاحتفال ويشكر من عمل على تحقيقه، يبقى نوع آخر من العقوبات يمنعنا من النهوض، عقوبات ذاتية نحن من وضعناها على أنفسنا ونحن فقط من يستطيع رفعها، انعدام المبادرة والاكتفاء بالشكوى واللوم ولعب دور الضحية والخوف من قول كلمة الحق والسكوت على الخطأ والتطبيع مع الفساد والكذب والنفاق والتزلف وانعدام الثقة بالنفس والاعتقاد بعدم أهلية الشعب للحياة الحرة الكريمة كلها عقوبات ذاتية تعيق نهوض الأمم أكثر من أي عقوبات خارجية
• إسرائيل لا تريد سورية الحرة الموحدة المستقلة لأنها تعرف أن الطاقات الخلاقة التي يتمتع بها الشعب السوري ستحول سورية بعد فترة تطول أو تقصر إلى دولة قوية اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً قادرة على ردع العدوان الصهيوني، هذا ليس سراً أفشيه وإنما حقيقة موضوعية لا تخفى على أحد
منذ نعومة أظافري كنت أسمع بعض الكبار يتهامسون فيما بينهم عن حكم المقبور حافظ قائلين (قاعدين سيدي قاعدين هيك بدها إسرائيل) أي أن حكم الأسد لن يزول لأن إسرائيل تريد ذلك وكأن إسرائيل والعياذ بالله إله لا مرد لإرادته
عقلية هؤلاء الكبار الانهزامية الاستسلامية كانت أحد الأسباب الرئيسية التي مكنت لحكم الأسدية طوال ستة عقود، وهي عقلية ما زالت مستمرة عند البعض إلى اليوم، إما بالاعتقاد أن الثورة وانتصارها ما هي إلا مؤامرة كبرى رتبتها إسرائيل، أو الاعتقاد أن سورية ستتمزق وينالها الخراب ولن تتمكن من التوحد والنهوض لأن إسرائيل لا تريد ذلك ولا مرد لإرادتها والعياذ بالله
الثورة قامت رغماً عن إسرائيل وانتصرت رغماً عن إسرائيل وإذا عملنا بسنن النصر والتمكين الربانية فإن سورية ستستعيد عافيتها وتبني قوتها رغماً عن إسرائيل، هذا الكلام ليس سياسة وإنما عقيدة ودين
• هل قيم الثورة (مثالية) لا تقبل التطبيق؟!
هناك شبه إجماع بين أهل الثورة على أن قيمها الأساسية الثلاث: هي الحرية والعدالة والكرامة، ولأن القيم لا قيمة لها إن ظلت في حيز الشعارات والهتافات ولم تتحول إلى إجراءات وقرارات وسلوكيات، ولأن دماء الشهداء والتضحيات العظيمة التي قدمها السوريون في ثورتهم العظيمة تحتم علينا ألا نبقي هذه القيم في حيز الشعارات والهتافات كان لزاماً علينا أن نفكر بكل السبل الممكنة لتحويل هذه القيم إلى واقع وتفكيك المقولات التي تبقيها في حيز النظرية وبناء المفاهيم الصحيحة التي تمكّن قيم الحرية والعدالة والكرامة من الوقوف على قدميها والتقدم على أرض الواقع.
لنعترف بداية أن غياب هذه القيم كان السبب الرئيسي وراء قيام الثورة السورية، وأن تحويل هذه القيم إلى واقع يتم في اتجاهين: من أعلى إلى أسفل عن طريق القوانين والإجراءات والقرارات التي تقرّها الحكومة، ومن أسفل إلى أعلى عن طريق تغيير ثقافة المجتمع فالقوانين وحدها لا تكفي إن لم تكن هناك قناعة عند الناس بأن الالتزام بها واجب وطني وأخلاقي بل واجب شرعي يتوقف عليه خروج بلدهم من أزماتها ونهوضها وتطورها.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية والاجتماعية في سورية الجديدة هو أن تعيد القيم السلبية التي كانت سائدة أيام النظام البائد إنتاج نفسها بطرق جديدة أكثر خفاء وتدليساً ومكراً من أن يتم كشفها ومواجهتها. هذه الطرق الجديدة ليست من صنع جهة معينة أو بتدبير يد خفية بل هي الطرق التي يلجأ إليها كل من تهدد القيم الثورية الجديدة مصالحهم الشخصية والفئوية الضيقة وهنا تأتي مقولة (كلام مثالي غير قابل للتطبيق) كحل سحري للتهرب من واجب الإصلاح ولتخدير الضمائر حتى لا يشعر المقصر في تحويل القيم الثورية إلى واقع بـ (وخز الضمير)، فلا يعود الفساد والاحتكار وعدم الشفافية ابتعاداً مذموماً عن قيم الثورة بل هو واقعية محمودة لأن (الشعب هيك متعود) و(الأمور بسورية ما بتمشي إلا هيك)، نعم إن إرث الفساد الذي تركه النظام ضخم لا يمكن إزاحته بين عشية وضحاها وهو يحتاج إلى وقت وجهد تراكمي متدرج وإلى ترتيب صحيح للأولويات حتى لا يتم دفع المفسدة بمفسدة أعظم، لكن من السهل جداً أن تتحول هذه الواقعية إلى حالة تبريرية ترقيعية تحول دون أخذ الإجراءات الصحيحة والشجاعة التي تقدم الصالح العام على المصالح الشخصية والفئوية الضيقة والتي تصل بسورية إلى هدف الثورة الثاني الذي لم يتحقق بعد وهو إقامة دولة العدل والمؤسسات والقانون بعد أن حققت الثورة هدفها الأول بإزالة النظام المجرم.
• الكلمة التي قالها الرئيس الشرع على المنبر الأموي صباح هذا اليوم في الذكرى الأولى للتحرير (أطيعونا ما أطعنا الله فيكم) ليست هينة أبداً. إنها الكلمة العظيمة التي قالها الخليفة الأول سيدنا أبو بكر الصديق على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند توليه الخلافة، وهي الكلمة التي تجعل ديننا أكبر قوة محررة للبشر من الطغيان عبر التاريخ إذ لا حاكم منزّه مؤلَّه في الإسلام ولا طاعة مطلقة له بل طاعة مشروطة بطاعة الله ورسوله، ولأننا في القرن الواحد والعشرين وقد طورت البشرية وسائل الحكم وأدواته منذ مقولة الخليفة الأول إلى اليوم تطويراً كبيراً، فإن طاعة الحاكم لله ورسوله لم تعد خاضعة للاجتهاد الشخصي؛ لا اجتهاد الحاكم ولا اجتهاد المحكومين، وإلا سيتمرد كل يوم فئة من المحكومين على الحاكم بحجة عدم طاعته لله ورسوله، بالمقابل قد يعتبر الحاكم ما يقوم به ليس مخالفاً لله ورسوله ولو خالفه في ذلك جمهور الأمة وعلماؤها الكبار ورجالها الثقات، حتى لا يحدث الصدام والفوضى بين الحاكم والمحكوم في هذه الحالات وبعد تجارب وصراعات وحروب طويلة ابتكرت البشرية عبر القرون فكرة وجود دستور يتوافق عليه الشعب يحدد ثوابت الشعب التي لا يجوز للحاكم الخروج عليها ويحدد شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم وكيفية مراقبة الحاكم ومحاسبته واستبداله، وابتكرت البشرية فكرة فصل السلطات وعدم جمعها في يد الحاكم حتى لا يصبح هو الخصم والحكم في الوقت نفسه، وابتكرت الانتخابات التي توصل إلى مكان صناعة القرار من يرضى الناس إخلاصه وكفاءته، وابتكرت الأحزاب وتداول السلطة حتى ينتفي احتكار السلطة الموصل للطغيان وحتى يكون هناك جو من التنافس والتدافع بين القوى السياسية التي يفرزها المجتمع تضمن وصول الأكثر كفاءة وإخلاصاً إلى الحكم وتضمن ارتباط استمراره في الحكم باستمرار كفاءته وإخلاصه على أن يتم استبداله بشكل سلمي وعبر صناديق الاقتراع إن اقتنع الشعب بمن هو أفضل منه، أو عندما يستوفي المدة الزمنية التي يسمح الدستور بها للحاكم أن يبقى للحكم
ونحن نحتفل بذكرى التحرير لا يكفي أن نعرف من ماذا تحررنا، وإنما يجب أن نعرف إلى أين يجب أن تأخذنا هذه الحرية
• تخالط فرحنا بذكرى مرور عام على التحرير غصة لا يمكن تجنبها، أن ليس يشاركنا فرحتنا أنبل وأطهر وأصدق وأشرف شباب عرفتهم سورية، خسارتنا فيهم لا تعوض، ثمن الحرية كان غالياً جداً
• بشار ليس مجنوناً ولا معتوهاً ولا أبله، هو مجرم ارتكب جرائمه عن سابق قصد وتصميم وهو بكامل قواه العقلية، كل ما في الأمر، وهذا ما يعرفه السوريون الأحرار ولم تكشفه التسريبات الأخيرة وإنما أكدته وزادته وضوحاً، أنه خسيس وضيع تافه مهزوز الشخصية، ومع ذلك هذا التافه المهزوز حكم سورية ربع قرن! لم يحكمها بذكائه أو بقوة شخصيته وإنما حكمها بالخوف والخوف فقط، وهذا يذكرنا بمقولة مالك بن نبي أن الشعوب لا تُستعمر بقوة المستعمر وإنما بقابليتها للاستعمار، وهي مقولة تنسحب على الاستبداد فالشعوب عندما تملك القابلية للاستبداد يحكمها مسخ تافه مهزوز وضيع مثل بشار الأسد بل يحكمها من هو أتفه منه! بدأت معركة التحرير قبل 14 عاماً عندما تغيرت القابلية للاستبداد عند شريحة واسعة من السوريين، يوم كسروا جدار الخوف في قلوبهم وهتفوا الله أكبر
سورية بعد اليوم لن تحكم بالخوف وإنما باحترام الشعب وكسب محبته ورضاه وذلك بخدمته وتحقيق مصالحه وهذا ما نرى الحكومة الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع حريصة عليه وهو واقع جديد صنعه السوريون بدمائهم ويجب أن يحافظوا عليه بوعيهم وتنظيم صفوفهم اجتماعياً وسياسياً وأن يمنعوا جدار الخوف من الارتفاع في قلوبهم مرة أخرى
• بعد عام من إسقاط النظام وتحرير سورية نستطيع أن نقيم أداء السلطة الجديدة بالمجمل كإيجابيات وسلبيات، أهم الإيجابيات برأيي:
1- توحيد الجهود العسكرية للثورة السورية بعد طول شتات وقيادة معركة ناجحة أدت إلى إسقاط النظام بالقوة وتخليص السوريين من نظام الإجرام الذي جثم على صدورهم لستة عقود وتحرير عشرات ألوف المعتقلين والمعتقلات من السجون وإنقاذهم من الموت
2- الحفاظ على الدولة السورية من الانهيار وذلك من خلال ترتيب عملية تسليم واستلام ناجحة من حكومة النظام البائد والحفاظ على عمل مؤسسات الدولة بما يضمن استمرار حياة السوريين اليومية وتلبية احتياجاتهم الأساسية
3- إعادة سورية إلى المشهد السياسي الإقليمي والعالمي كدولة محورية لتحقيق الأمن والاستقرار في الإقليم والعالم وكسب تأييد الدول الكبرى في الإقليم والعالم للدولة الوليدة وقيادتها الجديدة بما يضمن دعمها سياسياً واقتصادياً ووضعها على سكة إعادة الإعمار والاستقرار الأمني والنهوض الاقتصادي
4- تجاوب الحكومة مع بعض الانتقادات التي توجه لها وتعديل بعض القرارات بناء على ذلك
5- هناك مساحة معتبرة من حرية التعبير وحرية النشاط السياسي والاجتماعي، ولا أحد يتعرض لمعارضي السلطة الجديدة
أما أهم السلبيات فهي من وجهة نظري:
1- ما زال الولاء مقدم على الكفاءة في بعض التعيينات وإن كان هذا الأمر يتحسن تدريجياً ولكن ببطء لا يناسب حراجة المرحلة والحاجة إلى زج كل الطاقات في استكمال معركة التحرير والبناء
2- التأخر في استكمال بناء المجلس التشريعي الذي ترتبط به إقرار قوانين وتشريعات جديدة تأخيرها يعطل البلد ولا يمكن من دونها أن تنهض الدولة وتنطلق إعادة الإعمار فيها
3- التهاون في تطبيق العدالة الانتقالية وفي وضع المجرمين خلف القضبان والبدء بمحاكمتهم علنياً، نعم هناك اعتقالات يومية تقريباً ولكن مقارنة بعدد المجرمين الطلقاء وحجم جرائمهم تظل أقل من المستوى المطلوب
4- تشكيل هيئات حكومية موازية للوزارات تتبع للرئيس مباشرة مما يسحب الصلاحيات من الحكومة ويركزها في الرئاسة ويرخي قبضة المراقبة والمحاسبة عن هذه الهيئات
هناك إيجابيات وسلبيات غير هذه بالطبع لكن هذه أهمها من وجهة نظري ولغيري وجهات نظر مختلفة وهو اختلاف طبيعي بين البشر، وتظل الإيجابية الأولى وهي إسقاط النظام وتحرير المعتقلين هي الأعظم وهي تثقّل كفة الإيجابيات على السلبيات ويظل الإخوة القائمون على الحكم وطنيين يبذلون ما بوسعهم ولا نشك في إخلاصهم ومن الطبيعي ألا يكون أداؤهم كاملاً وأن يكون هناك جو صحي من النقد البناء لهذا الأداء يضمن عدم تحول البلاد إلى جوقة تطبيل وتصفيق كما كانت في عهد النظام البائد
• تصور أنك تشكر من تصادفهم في الشارع لأنهم لا يصفعونك أو يركلونك! من التشوهات النفسية العميقة التي تركتها ستة عقود من حكم النظام البائد في الشخصية السورية أن كثيراً من السوريين يعتبرون عدم الإساءة لهم فضيلة!