خواطر 2025-4
• تنميط الناس بشكل جامد بدل التعامل معهم كأفراد مستقلين لكل منهم شخصيته وأفكاره يخلق الحواجز بين البشر ويمنع التواصل الإنساني الحر الذي يصنع فرص التأثر والتأثير ويؤدي إلى توسيع الآفاق الشخصية والمشتركة
سأضرب أمثلة من تجربتي الشخصية:
الصورة النمطية عن المشايخ أو خريجي المدارس الشرعية أنهم لا يتقبلون الجديد، لم أدع هذه الصورة تقيدني وعقدنا بمعية الأخوة في رابطة خطباء الشام عشرات الدورات عن إعداد خطبة الجمعة وفق منهجية جديدة ووجدت انفتاحاً من أكثرهم ورغبة في تغيير الوسائل والأساليب التقليدية التي اعتادها الخطباء وحتى انفتاحاً فكرياً واجتهادياً لا يلمسه من ينظر إليهم من بعيد
الصورة النمطية عن السلفيين أنهم لا يقبلون الآخر ولا يشاركون من لا ينتمي إلى مدرستهم، لم أدع هذه الصورة تقيدني وشاركت إخوة ينتمون إلى المدرسة السلفية في مشاريع جماعية ذات طابع ثقافي أو اجتماعي أو سياسي ولمست ممن عملت معهم كل الانفتاح والمرونة في التفكير وتقبل الآخر
لدي أمثلة كثيرة عن علاقات إنسانية صادقة ونشاطات مشتركة مع فئات كثيرة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ما كانت لتحدث لولا نظرتي إلى كل إنسان كفرد مستقل له شخصيته وعقله وتعاملي معه باحترام على هذا الأساس
في سورية الكبيرة الغنية المتنوعة لا يمكن إطلاق الإمكانيات الهائلة التي ينطوي عليها هذا التنوع والغنى إلا بكسر الأنماط الجامدة في النظر إلى الآخرين واكتشاف عوالمهم والانخراط معهم بشجاعة وحكمة من دون غفلة أو سذاجة
• الفساد والاستبداد متلازمان دوماً، هما وجهان لعملة واحدة، كلٌّ منهما يقوي الآخر، لا يمكن مواجهة أحدهما دون مواجهة الآخر، ودائماً هناك من يبرر وينظّر لهما ويعطيهما اسماً آخر
• كنت أسمي المهجع 802 الذي قضيت فيه عامين ونصف في عدرا (سورية الصغيرة) كان فيه من معظم المكونات السورية وكانت بالنسبة لي تجربة غنية أكسبتي الكثير من المعرفة
كان المهجع مخصصاً لجرائم القتل، بعض من فيه محكوم عليهم بالإعدام والبعض بالمؤبد وأقل حكم كان 12 عاماً وآخرون ما زالوا في طور المحاكمة، تم تنبيه النزلاء بمجرد دخولي المهجع إلى أنني (معارض) ولا يجوز الكلام معي
كنت أعرف أنني أعيش في مجتمع من (القتلة) لكنني كنت مؤمناً أن في كل إنسان بذرة خير إذا تم التعامل معه بالحسنى وملامسة الجانب الإنساني فيه يمكن أن تتحرك هذه البذرة، كان مهجع 802 بالنسبة لي مختبراً لامتحان صدقية هذه الفكرة
أحد النزلاء كلف بمراقبتي وملاحقتي حتى في أوقات الاستراحة، في أحد المرات أصيب بضيق نفس في الليل ولأنه يعلم أنني طبيب طلب مني مساعدته، كانت حالته نفسية وليست عضوية طمأنته وانتهت نوبة ضيق النفس بسلام بعد ذلك أصبحنا أصدقاء ومع ذلك لم أكن آمن جانبه
رئيس المهجع كان علوياً من طرطوس، بعد شهرين أو ثلاثة طلبني لأجلس معه وترجاني ألا أتكلم في السياسة، كان يعلم أنني طبيب وأعرف الانكليزية فعرض علي أن أعلمه اللغة الانكليزية مقابل أن يعلمني عن تجارة الأسهم في البورصة التي كان مهتماً بها ويتابع أخبارها وينوي ممارستها بعد انتهاء محكوميته وبذلك نتسلى ونستفيد من بعضنا البعض، طلبت منه أن يحضر سلسلة headway أحضرها عن طريق الشرطة الذين تربطهم به علاقة وثيقة وبدأنا الدروس ومع الوقت نشأت بيننا علاقة إنسانية وثيقة وصار يغطي علي الكثير من الأمور كاستخدام الجوال وحيازة الراديو وكان يخبرني بأوقات التفتيش المفاجئ حتى أخفي الراديو الذي كان معي حيث امتلاكه كان ممنوعاً ويستوجب العقوبة
أحد النزلاء كان درزياً من جرمانا نشأت بيننا صداقة قوية وعلمني شغل الخرز وأحضر لي مستلزماته لكنني شعرت بالملل ولم أتابع صنع القطعة التي بدأت بها
جاري في السرير المقابل كان كردياً من الحسكة، كان ناقماً على النظام لذلك أحبني كوني معارضاً وكنا نتشارك الطعام كان عصبياً وحاول الانتحار شنقا أكثر من مرة لكنه كان يفشل لأن الحبل كان ينقطع، لم يكن حبلاً بل شريطا رفيعا من القماش وأعتقد أنه لم يكن يريد الموت بل لفت النظر لا أكثر
أستحضر ذكرياتي اليوم في ذلك (المختبر الصغير) الذي علمني أن الإنسان يمكن أن يكسب أصعب البشر وفي أصعب الظروف إذا خاطب الجانب الإنساني الموجود فيهم، طبعاً هذه ليست دعوة للتسامح مع القتلة المجرمين وإنما تجربة إنسانية أحببت مشاركتها
• ليس على الطبيب أن يذكر للمريض كل ما تعلمه في كتب الطب، لكن الطبيب الناجح هو الذي يشرح للمريض طبيعة مرضه وآلية العلاج بأسلوب مبسط فيلتزم المريض بالعلاج عن قناعة ويرتاح إلى الطبيب ويثق به وكم من طبيب نفر منه الناس لأنه متكبر لا يجيب على استفساراتهم بدعوى أنهم ليسوا (أطباء) ولن يستوعبوا ما سيقوله!
يشبه هذا الطبيب المتكبر المسؤول الذي يقول: لا تسألوا ولا تنتقدوا، أطيعوا من غير اعتراض واتركوا شؤون الحكم والسياسة علينا، فهذه أمور معقدة لا تستوعبها عقولكم الصغيرة!!
ليس على المسؤول أن يطلع الناس على كل المعطيات التي عنده، ولكن عليه أن يشرح لهم وبأسلوب يفهمونه مبررات نهجه وقراراته، على المسؤول أن يتواصل مع الناس وينصت إليهم ويتفهم مخاوفهم ويجيب على أسئلتهم ويشرح لهم، قامت هذه الثورة حتى نطوي زمن الحاكم الذي لا يحترم عقول الناس ويعتبرهم رعاعاً خلقوا ليقادوا فقط
• في شرح حديث النبي عليه الصلاة والسلام (لا تغضب) قرأت لأحد الشراح أن الحديث لا ينهى عن الغضب بحد ذاته لأنه شعور لا يملك الإنسان التحكم به وإنما ينهى أن يتحول الغضب إلى فعل أو قول فيه إيذاء للآخرين أو فيه تجاوز لحدود الله
كذلك في قوله تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم ألا تعدلوا) الآية لا تنهي عن كره الآخرين لأنه شعور لا نتحكم به لكنها تنهى أن يؤثر الكره على معاملتنا للآخرين بعدل وإنصاف
إيجاد المسافة بين الانفعال الذي لا نتحكم به والقول أو الفعل الذي نتحكم به من أكبر التحديات التي نواجهها في حياتنا اليومية وفي هذه المسافة تكمن حريتنا وإنسانيتنا
بعد عامين ونصف في سجن عدرا، خرجت في 10 حزيران 2010، كان الناس يتحاشون السلام علي في الطريق خوفاً من الرقيب، ذكرت ذلك لأحد الأصدقاء فقال لي: أضعت سنيناً من عمرك في السجن من أجل هؤلاء، أجبته: لم أضع شيئاً ولست نادماً والسوريون يستحقون وأنا أعذرهم وأؤمن بهم وأؤمن أنني يجب أن أكون قدوة لهم حتى يخرجوا من خوفهم وسيخرجون، وكانت ثورة الحرية بعد 9 شهور
• أثناء الثورة كنت والإخوة الذين تشرفت بالعمل معهم في مشاريعنا ومبادراتنا حاملين شعلة التفاؤل في أشد أيام الثورة حلكة وسواداً، لم يكن تفاؤلاً ساذجاً منفصلاً عن الواقع بل رؤية واقعية نابعة من ذات المنطلق الذي قامت الثورة من أجله وهو الإيمان بالسوريين والرهان على الخيرية الكامنة فيهم والاعتقاد بأهليتهم للحياة الحرة الكريمة، كنا نحمل هذا الإيمان ونحن نصارع أشكال الفساد والاستبداد في الشمال السوري متحملين في ذلك الاتهام بالمثالية والتنظير، وكنت أقول في اللقاءات والندوات التي كنا نعقدها في الشمال: خرج النظام من هذه المناطق لكن ما زال علينا أن نخرج من نفوسنا الثقافة التي أوصلت النظام إلى الحكم ثقافة النفاق والتملق والسكوت على الخطأ والرضا بالفساد والاستبداد وهذا يحتاج إلى وقت
وفي 8/12/2024 من الله علينا بالفتح المبين وإسقاط النظام وعدنا إلى حيث انطلقنا بثورتنا إلى مدننا وقرانا لنتابع مهمة التغيير، تغيير الأفكار والأخلاق التي مهّدت لحكم البعث وكانت سابقة عليه، حاملين الإيمان ذاته بالسوريين وبالخيرية الكامنة فيهم وبقدرتهم على تجاوز أمراضهم الذاتية والتحديات الخارجية موطدين أنفسنا على ما يحتاجه ذلك من بذل وصبر وتضحية
ليس لديّ أدنى شك في أن شمس الحرية التي بدأت تطل بخيوطها الأولى على حياتنا الاجتماعية والسياسية صباح الأحد 8/12/2024 سترتفع شيئاً فشيئاً في سماء سورية الجديدة وسيتحول فجر حريتنا الخجول إلى نهار مشرق تهرب من ضيائه كل خفافيش الظلام
• الكثير من المخلصين في الإدارة الجديدة يريدون الحد من الفساد، لكن المشكلة أكبر من أن تحل بمسؤول نظيف، هي مشكلة ذات أبعاد إدارية واقتصادية وقانونية وثقافية والبعد الثقافي برأيي هو الأهم لأنه يصرف النظر عن معالجة الأبعاد الأخرى ويبرر الفساد بحجة الواقعية وترتيب الأولويات ودفع الضرر الأكبر بضرر أصغر وغيرها من الأعذار، وهكذا بدل أن يتجه التفكير لإيجاد حلول للمشكلة يتجه لتبريرها وبالتالي ترسيخها واستدامتها، لا يوجد ممارس للفساد أو ساكت عنه يقول: أنا أمارس الفساد أو أسكت عنه، دائماً هناك مبرر ما!
• نحن بحاجة إلى هيئة وطنية لمحاربة الفساد تضع برنامجاً وطنياً عابراً للوزارات يشمل جانباً ثقافياً تشتغل فيه المساجد والمدارس ووسائل الاعلام وجانباً قانونياً رادعاً وجانباً إدارياً يقلل الإجراءات التي يتسرب الفساد من خلالها وجانباً اقتصادياً يوجد حلولاً إسعافية تخفف عن كاهل الموظف إلى أن ينهض الاقتصاد، تساعد هذه الهيئة الوطنية شراكات مع كيانات مجتمعية وسياسية معنية بمواجهة الفساد
لا يقتصر تأثير الفساد على مؤسسات الدولة بل هو عفن أخلاقي يمتد ليشمل المجتمع بأسره ويسمم علاقات الناس مع بعضهم البعض ويأكل من صدقهم مع أنفسهم ومع ربهم
• بلغة الرياضيات ما أحوجنا اليوم إلى التكامل لا التفاضل، إلى الجمع لا الطرح، حتى تتحول اختلافاتنا إلى غنى وتوزيع للأدوار، العبقرية الفردية التي اشتهرنا بها كسوريين إذا نقلناها إلى مجال العمل الجماعي ستفتح أمامنا آفاقاً لا حدود لها وهو أمر ممكن وليس بالمستحيل كما يتوهم البعض، كل ما نحتاج إليه استكمال ما ينقصنا من معرفة ومهارات وأن نتحلى بالمرونة والصبر والتواضع والاستعداد للتعلم المستمر والصدق مع الذات والآخرين
• المفهوم الأول: السياسة عالم سحري غامض مزيج من القداسة والنجاسة الأولى عدم الاقتراب منها أو تعاطيها علاقتنا مع راكبي غمارها علاقة كرهٍ أو وَلَه،
المفهوم الثاني: السياسة تحقيق الصالح العام تعاطيها حق لكل إنسان راكبو غمارها موظفون عند الشعب يعينهم ويراقبهم ويسائلهم ويستبدلهم،
تغير مفهوم السياسة في المخيال الشعبي من الأول إلى الثاني شرط دخولنا عصر الحرية والكرامة
• سورية بلد غني جداً، غني بعقوله، غني بطاقاته الشبابية، غني بالحب الذي يكنّه السوريون لبلدهم والذي يتجلى برغبتهم الجامحة في خدمته وإعلاء شأنه، غني بتاريخه وتراثه الروحي، غني بموارده الطبيعية، غني بروح الجهاد والبطولة والصبر والاستعداد للتضحية التي يملكها السوريون، بمقدار ما تدرك القيادة هذا الغنى المادي والروحي وتحترمه ستتسع رؤيتها لتشمل تمكين الآخرين وسيزداد تواضعها الذي يرفعها ويرفع البلد في نهاية المطاف
السعي إلى منصب رسمي لا يعيب صاحبه بل هو واجب ومصدر فخر طالما يريد خدمة بلده من خلال هذا المنصب وطالما يسلك إليه الطريق الصحيح عارضاً ما لديه من خبرة وتميز ورؤية ليقنع صاحب القرار بتعيينه في هذا المنصب
العيب عندما يتملق الإنسانُ صاحب القرار حتى ينال المنصب فيكون المنصب على حساب صدقه وكرامته
العيب الأكبر عندما يطعن بالآخرين الذين يمكن أن ينافسوه على المنصب فيكون المنصب على حساب مروءته ورجولته
الإنسان المؤمن الواثق من ربه ونفسه يعلم أن الأرزاق من مال أو جاه بيد الله فلا يزاحم عليها أحداً، هو يبذل الوسع ثم يرضى بما قسمه الله له