خواطر 2025-6
• ينظر البعض إلى احترام الكرامة الإنسانية على أنها قيمة نظرية وترف ثقافي لا وقت له الآن فالناس يريدون أمناً وخبزاً يأكلونه لا تنظيراً حول الكرامة وأهميتها
الكرامة الإنسانية هي إحدى القيم الثلاث التي قامت من أجلها ثورة السوريين، الحرية والعدالة والكرامة، وهي قبل أن تكون قيمة ثورية قيمة عليا في ديننا الحنيف (لقد كرمنا بني آدم)، جسّدها تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في مواقف شتى منها قصة الصحابي (سواد) رضي الله عنه في غزوة بدر عندما نغزه الرسول بعصاه وهو يسوّي الصفوف للمعركة فقال له سواد: (يا رسول الله أوجعتني فأقدني) أي أريد القصاص منك، فما كان من الرسول إلا أن كشف بطنه ليقتص منه، فانكب عليه سواد مقبّلاً وهو يقول: (إنما أتوقع الشهادة وأردت أن يكون آخر عهدي بالحياة أن يمس جلدي جلدك) حيث يدل تجرؤ الصحابي على هذا الطلب وعدم اعتراض أحد من الصحابة عليه على أن الرسول ربى رجالاً لا يسكتون على تصرف يشعرون أنه ينال من كرامتهم ولو جاء من الرسول نفسه علماً أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يشغل أيضاً في ذلك الوقت موقع رئيس الدولة والقائد العام للجيش
عندما تسود قيمة احترام الكرامة الإنسانية في بلد ما تتحقق العدالة والشفافية والمحاسبة وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون ويُصان المال العام وتتشكل البيئة التي تجذب الاستثمارات وينتفي الشعور بالظلم الذي يولد الاضطرابات الاجتماعية وكل ذلك يُترجم في البلاد استقراراً وأماناً ورخاءً اقتصادياً
احترام الكرامة الإنسانية ليست قيمة نظرية في عالم المُثُل بل قيمة واقعية تتجلى آثارها في حياة الناس ومعاشهم اليومي وهي ليست ترفاً ثقافياً تؤجل توعية الناس بأهميتها إلى حين توفر الخبز والأمن بل هي التي تأتي بالخبز وترسخ الأمن الحقيقي والمستدام
• لن نخرج من عصر العبودية ما لم نغير المفاهيم التي أدخلتنا فيه، من هذه المفاهيم توهم أن حاجات الناس المادية من أمن ومأكل وملبس ومسكن لا علاقة لها بالسياسة!
السياسة في أكثر تعريفاتها اختصاراً هي (إدارة الشأن العام) الشأن العام هو شأن يهم عموم الناس، اتفاق مجلس محلي مع شركة لتزويد منطقة بالكهرباء شأن عام، سياسات وزارة الصحة في التلقيح أو فتح المستوصفات والمستشفيات شأن عام، سياسات وزارة التعليم في صياغة المناهج أو تحديد معايير المدارس الخاصة شأن عام، سياسات الدولة في محاربة الفساد والحد من الرشوة والمحسوبية شأن عام وهكذا …
بما إن السياسة هي (إدارة الشأن العام) فكل مواطن سوري معني بها حتى لو لم يكن في منصب سياسي لأن الشأن العام شأن يخصه هو، يخص حياته ومستقبله ومصلحته وحاجاته المادية والمعنوية، كل سوري معني بإيصال الأشخاص الأكفاء والمخلصين إلى المناصب التي يُدار منها الشأن العام، كل سوري معني بمراقبة ومحاسبة من يديرون الشأن العام ليلتزموا بتحقيق مصالحه، كل سوري يمكن أن يكون (فاعل سياسي) يساهم في صنع القرارت التي تمس حياته ويسهر على تطبيقها ولا معنى للقول: الناس مشغولة بأكل العيش لا تحدثوهم بالسياسة!
• كيف يتسق قولنا: علينا احترام إرادة الشعب مع قولنا: الشعب جموع عاطفية غوغاء لا يمكن مخاطبتها بالمنطق تحركها عقلية القطيع وتنساق دون تفكير، كيف نحترم إرادة من لا يفكر وبالتالي لا يعرف ما يريد ولا يعرف ما مصلحته؟
إذا نظرنا إلى خريطة العالم نجد شعوباً أوعى من شعوب، وإذا نظرنا إلى التاريخ نجد أن شعوباً اليوم أوعى مما كانت عليه قبل مئة عام، إذن لا يمكن وصف شعب بالتخلف كصفة لازمة له لا يمكن تغييرها، نعم لا شك أن الشعوب التي عانت عقوداً من التجهيل وكم الأفواه ستكون متأخرة في وعيها عن شعوب مارست حرية التعبير والتنظيم خلال هذه العقود، لكن هذا لا يجعلها عصية على التغيير وارتفاع الوعي فيها عندما تمارس الحرية ذاتها
(لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) آية عظيمة تنسف نظرية المستبدين في أن الله خلق الشعوب قطعاناً جاهلة لا تساق إلا بالعصا! الله خلق البشر في أحسن تقويم وجعل فيهم القابلية للحياة الحرة الكريمة، ثقافة المجتمع هي التي تعطل هذه القابلية أو تطلقها، والثقافة قابلة للتغيير وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
• في تجربة شهيرة في علم النفس الاجتماعي تم تعريف مجموعة من الطلاب لمجوعة من الأساتذة على إنهم طلاب أغبياء ومشاكسون، ثم قام كل واحد من الأساتذة على حدة بإعطائهم درساً على أساس هذا التصور، ثم طُلب من الطلاب والأساتذة تقييم التفاعل بين الطرفين فكان التقييم سلبياً وكانت الدروس مليئة بالمشاحنات ولم يستفد الطلاب كثيراً
نفس المجموعة من الطلاب تم تعريفها لمجموعة أخرى من الأساتذة على إنهم طلاب أذكياء ومؤدبون، ثم قام كل واحد من الأساتذة على حدة بإعطائهم درساً على أساس هذا التصور، ثم طُلب من الطلاب والأساتذة تقييم التفاعل بين الطرفين فكان التقييم إيجابياً وذكر الطلاب أنهم استفادوا أكثر وأن الأساتذة عاملوهم بشكل أفضل. الطلاب لم يتغيروا وإنما نظرة الأساتذة هي التي تغيرت فتغيرت المعاملة وتغيرت النتيجة
تعبر هذه التجربة عن ظاهرة تسمى النبوءة ذاتية التحقق self- fulfilling prophesy وهي أن يضع الإنسان في ذهنه افتراضاً ما، ثم يتصرف على أساسه، فيؤدي تصرفه إلى تحقق هذا الافتراض
افترض النظام البائد أن الشعب السوري لا تليق به الحرية فحرمه من ممارستها فضمرت عنده المهارات التي يحتاجها من يمارس الحرية بوعي ومسؤولية فاستخدم النظام البائد هذا الضمور ليؤكد صحة افتراضه وهكذا تشكل لولب معيب نازل vicious download spiral مزيد من الحرمان أدى إلى مزيد من الضمور، وهذا الضمور بدوره أعطى النظام مبرراً لمزيد من الحرمان إلى أن وصل الشعب السوري إلى القاع ولم يجد بداً من الثورة
إن الإيمان بالسوريين وأهليتهم للحياة الحرة الكريمة هو شرط لتمكينهم حتى يخرجوا من المستنقع الآسن الذي كانوا فيه ويعبروا إلى الحركة والحياة حيث يملكون أمرهم بأيديهم ويصنعون مستقبلهم الذي يليق بهم
• الأكثرية السنية في سورية قوتها ليست في عددها فقط فقد كنا الأكثر عدداً ومع ذلك سُحقنا أيام النظام البائد، ولا بسلاحها فقط فالسلاح يستطيع الجميع امتلاكه والقوى التي تشتهي اندلاع حرب طائفية في سورية جاهزة لمد الجميع بسلاح لا ينتهي، العدد والسلاح عاملا قوة بلا شك لكن لا قيمة لهما إن لم تمتلك الأكثرية السنية رؤية وطنية جامعة وخطاباً توفيقياً بين جميع المكونات السورية يكسبها الشرعية الداخلية والخارجية ويمكنها من أخذ حجمها الطبيعي في مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية وهذا ما لحظته السلطة الجديدة وظهر جلياً في بياناتها وتصريحاتها الرسمية مباشرة بعد تحرير حلب، هذا الخطاب الوطني الجامع هو لمصلحة السنة ومصلحة الثورة ومصلحة البلد وهو دليل قوة لا علامة ضعف ولا علاقة له بالمراجل وهرمونات الذكورة والأنوثة!
• لا نجاة فردية في سورية الجديدة! كلما كثر عدد المهتمين بالشأن العام، المدافعين عن حقوقهم ومصالحهم، العاملين على بناء الوعي والتنظيم الذي يتطلبه هذا الدفاع والصابرين على ما يقتضيه ذلك من وقت وجهد، كلما كثر هؤلاء امتدت شبكة الأمان التي تحمينا جميعاً حكاماً ومحكومين من نزعات الفساد والاستبداد التي لا يخلو منها مجتمع والتي تدمر الإنسان والأوطان
• وجود أشخاص نخالفهم في القليل أو الكثير من أفكارهم وتصرفاتهم ونضطر للتعامل معهم من أجل تحقيق رسالتنا في الحياة (عدا من يخالفون مبادئنا وقيمنا فليس المقصود التعامل مع مجرمين مثلاً) هذه حقيقة وجودية وجزء طبيعي من تركيبة الكون علينا أن نتصالح معها ونتعامل بكل أريحية وإلا سنجد أنفسنا منعزلين في أبراجنا العاجية شئنا أم أبينا
• الثقة في القيادة لا تعني ما يطالبك به البعض بأن تعطل عقلك لأن القيادة تفكر بدلاً عنك، وبأن تبلع لسانك لأن القيادة يعطّلها كلامك
الثقة في القيادة يبنيها احترام القيادة لعقلك الحر الذي يفكر واستجابتها للسانك الحر الذي يسأل
• بلغ التشوه في الشخصية السورية حدّاً جعل المشهد الذي ينتهك فيها مسؤول حكومي كرامة مواطن ليس مشهداً اعتيادياً وحسب بل مادة كوميدية يشاهدها السوري وهو يضحك!
في سورية الجديدة اليوم يولد سوري جديد يعتبر الحفاظ على كرامته قولاً فصلاً لا هزل فيه وهو حقه الذي لا منة لأحد فيه وهو واجب الحكومة ومهمتها الأولى ومصدر شرعيتها، لا غرابة في ذلك فكرامة دُفع من أجلها كل هذا الدم أصبحت أغلى من أن تُباع ثانية في أسواق الخوف والنفاق
• (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)
الاقتصاد والأمن الدعامتان اللتان تقومان عليهما أي دولة والأمن يعني أن يأمن الإنسان على نفسه من أي اعتداء على حقوقه وأولها حقه في التعبير والتنظيم والتنافس الاقتصادي والسياسي الشريف ولا يكون ذلك إلا بدولة مؤسسات وقانون
• في فهم الواقع السوري المعقد والاشتباك الإيجابي معه
- أولاً لا بد من القرب والاطلاع على التفاصيل فالصور الكلية التي تنتجها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي غالباً ما تخدع وتختزل اختزالاً مخلاً
- أحياناً يجب تحمل بعض السلبيات مقابل تجنب سلبيات أكبر على أن يظل وصف ما يتم تحمله على أنها (سلبيات) وأن توضع خطط بعيدة المدى لتجاوزها حتى لايتحول المنكر معروفاً
- في معالجة السلبيات إدراك الفرق بين الأسباب والنتائج حتى لا نغرق في معالجة النتائج بينما الأسباب قائمة تعيدنا إلى نقطة الصفر كل مرة
- إدراك التركة الثقيلة التي خلفها النظام ليس على صعيد الخراب الإداري والمؤسساتي وحسب بل على صعيد الخراب النفسي والأخلاقي وهو الأهم وإدراك أن هناك أمور يحتاج إصلاحها إلى تدرج على ألا يتحول التدرج إلى مساكنة مع الخطأ وتبرير له تؤدي إلى استمراره وتجذره
- معرفة متى يكون النقد على العام ليصنع رأياً عاماً ضاغطاً وليؤسس لثقافة عدم السكوت على الخطأ ومتى يكون النقد على الخاص لأنه أدعى إلى معالجة المشكلة بعيداً عن الأضواء التي قد تعرقل العلاج
- كل ما سبق يحتاج إلى موازنات دقيقة لكل مسألة على حدة وإلى عمل جماعي يستفيد من تنوع العقول والخبرات وإلى مراجعة ومعايرة مستمرة تعدل الأساليب بحسب النتائج
بالعموم أنا متفائل جداً وأعتقد أن هناك فرصاً كثيرة للتغيير لكن التحديات كبيرة والطريق طويل ويحتاج إلى جهد هائل ويجب الابتعاد عن رسم صور وردية شاعرية تريح النفس لكنها لا تعكس الحقيقة
• ثورتنا من النوع الذي لا يحتاج إلى تصدير يكفي أن نتمثل قيمها حكومةً وشعباً في دولتنا الجديدة حتى نصبح نموذجاً يصبو إليه الجميع