cover

خواطر 2025-11

• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ
عندما يتحول النقد إلى سخرية تنفر النفس منه ويضيع معه الحق إن كان فيه حق، النقد القائم على الحجة والمنطق والمجبول بالاحترام هو الأجدى وهو الذي يصنع جواً سليماً يتعلم فيه الناس من بعضهم البعض وتتلاقح أفكارهم وتتطور


• السياسة هي المشاركة التي هي عكس التفرد، والاختلاف الذي هو عكس الرأي الواحد، والتداول الذي هو عكس الحكم المؤبد، فإذا اختفت هذه الممارسات الثلاث اختفت معها السياسة وأصبحنا في نسق التفرد والرأي الواحد والقائد الخالد وهو النسق الذي قامت الثورة السورية من أجل تغييره
ولكن، ألا تؤدي المشاركة إلى إضعاف القدرة على اتخاذ القرار وإلى تأخيره؟ والاختلاف ألا يؤدي إلى الصراع والفوضى؟ والتداول ألا يؤدي إلى احتمال وصول من لا يستحق وإلى ضعف القدرة على الإنجاز الذي يحتاج استمرارية القيادة التي تنفذ استراتيجيات طويلة الأمد؟
كل هذه مخاوف حقيقية ومشروعة والجواب عليها: نعم إذا غابت المعرفة والمهارات والآليات المؤسساتية الصحيحة التي تحول المشاركة إلى تحصين للقرار لا إلى تأخير له والاختلاف إلى غنى في الآراء لا إلى صراع بينها والتداول إلى حافز لوصول الأكثر كفاءة وإخلاصاً لا إلى انقطاع في تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية
اكتساب المعرفة والتدرب على المهارات وبناء المؤسسات يحتاج إلى وقت وجهد وصبر والأهم من ذلك يحتاج إلى رؤية سليمة بأن هذا ما يجب أن نصل إليه وإلى إيمان بالسوريين وبقدرتهم على الوصول إليه


• ونحن ننتظر التقدم الهائل الذي سيتيحه قدوم التكنولوجيا الأمريكية المتطورة إلى سورية لا مانع أن نستفيد من أمور أخرى تعود إليها قوة أمريكا، أهمها وجود دستور يخضع له الجميع وقضاء مستقل يبطل حتى قرارات الرئيس ومجلس تشريعي سيد نفسه يضع الجميع تحت المحاسبة، أعرف أن الأمور في أمريكا ليست وردية كما تبدو وأن الشركات الكبرى تلعب دوراً في التأثير على النواب وفي صناعة السياسات ولكن على الأقل توجد منظومة تتيح التدافع والتداول والتوازن بين السلطات وتخفف الفساد والاستبداد، قلت (نستفيد من أمور أخرى تعود إليها قوة أمريكا) ولم أقل (نستورد هذه الأمور من أمريكا) لأنها موجودة أصلاً في ديننا وتراثنا الذي يشهد أن رجلاً يهودياً قاضى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب حول درع ادعى كل منهما أنه له، هذه ليست (مثاليات) غير قابلة للتطبيق كما يقول البعض وإنما دين وعدل وحق بوجوده تنهض الدول وتسود وبغيابه تضعف وتزول، وإذا كان مجتمعنا يحمل أغلالاً ثقافية تمنع وصولنا إلى هذا المستوى في قفزة واحدة، فإن أكثر ما يسرع تخلصنا من هذه الأغلال هو سعينا الصادق للوصول إلى هذا المستوى من النزاهة والحديث عنه في كل محفل ومناسبة
من أقوال الحسن البصري (من يخوفك حتى تبلغ الأمان خير من الذي يؤمنك حتى تبلغ الخوف)


• أبناء الثورة الذين لا يسكتون على خطأ قد يُتعبون من يعملون تحت إدارته مؤقتاً لكنهم على المدى الطويل يؤسسون لدولة قانون ومؤسسات يرتاح فيها الجميع، أما بعض من كانوا رهائن في مناطق النظام البائد ممن لم يعتادوا قول (لا) فيريحون من يعملون تحت إدارته مؤقتاً لكنهم يؤخرون تعافي المؤسسات الحكومية من عللها ويؤسسون لفشل وتعب أكبر على المدى الطويل


• لا يضير سورية اليوم ضعفها وملامحها غير الواضحة فهي جنين يتخلق وسيكون في أحسن تقويم إن جعلناه ينمو بما ينسجم مع جيناتنا الحضارية والثقافية
ما يضير سورية أن نستعجل تخلق هذا الكائن ونرضى أن يُفرض علينا تركيبه من تجارب غريبة عنا متناقضة متنافرة فيصبح كفرانكشتاين ذلك الكائن الخيالي البشع الذي جُمعت أجزاؤه من أجساد مختلفة
سورية اليوم إما فرانكشتاين يتجمع وسيكون مصيره الهلاك السريع أو جنين يتخلق فيشتد عوده ويصبح في أحسن تقويم، الخيار خيارنا


• عندما تستثمر الدول في سورية بمشاريع ضخمة يصبح من مصلحتها دعم الاستقرار فيها وهذا من مصلحتنا كسوريين بشرط توفر الشفافية والعدالة في الفرص الاقتصادية والفرص السياسية لأن هذا ما يؤدي إلى أفضل الخدمات بأفضل الأسعار وإلى التوزيع العادل للموارد وإلى منع الاحتكار والفساد، تتحقق العدالة هنا بقوانين وإجراءات تتيح حرية المنافسة الاقتصادية والمنافسة السياسية وتضع السلطة من رئيس البلاد فما دون تحت المراقبة والمحاسبة، كل ما سبق مرهون بنا نحن الشعب، مرهون بصدقنا ووعينا وتنظيمنا وتمسكنا بحقوقنا ونبذ ثقافة الخوف والنفاق التي تعودنا عليها أيام النظام البائد، هذا إذا أردنا أن نؤسس لدولة عصرية تليق بالسوريين وتضحياتهم العظيمة


• دفعنا أفدح الأثمان حتى يتحول السوريون من عبيد غايتهم إرضاء السلطة إلى أحرار غاية السلطة إرضاؤهم، حرية نحافظ عليها أو نضيعها بمواقفنا وأقوالنا وأفعالنا تجاه كل حدث


• أنا سعيد بالإنجازات التي تحققها الدبلوماسية السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، في الوقت نفسه أشعر بقلق شديد من انشغال البعض المبالغ فيه بهذه الإنجازات وكأنها غاية المنى وقمة الانتصار ونسيانهم للغاية الأساسية التي قامت من أجلها الثورة وهي تمكين السوريين وبناء ثقتهم بأنفسهم حتى يبنوا دولة القانون والمؤسسات التي تحترم حقوقهم وحرياتهم
أنا لا أتحدث عن انتخابات عامة غداً وإنما أن يكون عند النخب السورية التي تفكر وتتحدث وتكتب في الشأن السوري اهتمام بالسوريين وبالتغيير المطلوب في أفكارهم وممارساتهم - وهو تغيير كبير- يوازي على الأقل اهتمامهم بالسياسة الخارجية، أتمنى أن يكون عند النخب السورية اهتمام وعناية بالسوريين تشجعهم على إنتاج منظومة سياسية ترسخ حكم المؤسسات وتعزز عندهم روح المبادرة وتحمل مسؤولية اختيار حكامهم ومراقبتهم ومحاسبتهم وتنهي مرض التقديس والتمجيد وربط مصير البلد بالأشخاص الذي رسخته عقود القهر والاستبداد، مستقبل السوريين وأمانهم ونهوضهم وازدهارهم في هذا التغيير الثقافي المنشود وليس في البيت الأبيض أو أي مكان آخر


• في عام 2003 رفض البرلمان التركي دخول القوات الأمريكية لغزو العراق عن طريق تركيا، لم تستطع أمريكا إلا احترام القرار وتغيير خطتها العسكرية ولم يؤد ذلك إلى إخراج تركيا من حلف الناتو ولا إلى تصنيفها عدواً للمصالح الأمريكية
اليوم وبينما تركز الإدارة السورية الجديدة على بناء تحالفات سورية الخارجية بحيث تحول سورية من ساحة صراع بين تناقضات مصالح الدول الكبرى على أرضها إلى ساحة إدارة لهذه التناقضات بما يفترض أن يخدم المصلحة السورية، فإن الضمانة الأولى لعدم تحول تقاطع مصالح سورية مع مصالح الدول الكبرى إلى (ارتهان) لهذه الدول هو وجود حياة سياسية تحقق أوسع مشاركة في تحديد مساحة التقاطع هذه والحد الفاصل بينها وبين الارتهان، ووجود برلمان حر تشغله أحزاب وطنية تعبر عن إرادة الشعب عندها سيضطر العالم إلى احترام هذه الإرادة واعتبارها قوة (فاعلة) في لعبة إدارة المصالح بدل أن يكون الشعب قطيعاً مفعولاً به كما كان أيام النظام البائد


• التسريبات التي يبدو أنها صحيحة حول نية السلطة تأسيس حزب سياسي تطرح من خلاله مشروعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي لسورية الجديدة هو خبر جيد طالما سيكون عمل هذا الحزب منضبطاً بقانون الأحزاب الذي يتوقع أن يرفعه مجلس الشعب القادم إلى السيد الرئيس في وقت ليس بالبعيد وهو قانون سيضمن للأحزاب السياسية فرصاً متكافئة في العمل وفي طرح رؤاها وبرامجها
ما زال البعض أسير ثقافة خاطئة ترى في الأحزاب والحياة السياسية صراعاً وفوضى وألا نظام يضبط سورية غير نظام الحزب الواحد والقائد الخالد، نحن بحاجة إلى وعي جديد في سورية الجديدة يخرجنا من حالة الموات السياسي التي دفننا فيها نظام البعث البائد لستة عقود، وعي جديد يرى في الأحزاب الوطنية مجالاً للتنافس السياسي يضمن ألا يصل إلى السلطة وألا يبقى فيها إلا أكثر الناس كفاءة وإخلاصاً، والذي يحدد من هم أكثر الناس كفاءة وإخلاصاً هي إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع، هذه الحالة التنافسية هي التي ستضمن أفضل أداء وأفضل خدمات للشعب السوري ممن يصل إلى السلطة
الحزب الذي سيشكله السيد الشيباني يمكن أن يكون رافعة قوية لحياة سياسية ثرية في سورية الجديدة طالما هناك تكافؤ في الفرص يتيح نشوء أحزاب وطنية تتنافس للوصول إلى السلطة، الوصول إلى السلطة؟! نعم السعي للوصول إلى السلطة ليس عيباً ولا حراماً واعتباره كذلك هو جزء من ثقافة البعث البالية التي أوصلت بلادنا إلى هذا الخراب الكبير، الوصول إلى السلطة بالوسائل القانونية وبالاحتكام إلى إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع هو الوضع الطبيعي الذي يليق بسورية الجديدة وثورتها العظيمة وشعبها الكريم، هذا ليس كلامي فقط وإنما كلام الرئيس الشرع الذي قال بالحرف الواحد في حديثه إلى قناة الأخبارية السورية بتاريخ 12 إيلول (في نهاية المطاف ستكون هناك تعددية سياسية في سورية وهناك آراء مختلفة فهذه الحالة الطبيعية التي تليق بسورية)


• البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع هي انعكاس لبنيته الفكرية، أطلقت الثورة السورية بداية التغيير في بنية السوريين الفكرية وأقول (بداية التغيير) لأن إنجاز التغيير يحتاج إلى وقت وجهد ومدافعة واشتباك يومي مع البنية الفكرية القديمة ومخلفاتها وهي بنية سيحاول حرّاسها التشبث بالقديم والدفاع عنه بكل قوة لأن مكتسباتهم مرتبطة به، أهم ملامح التغيير الفكري الذي أطلقته ثورة السوريين:
التغيير من قبول الاستبداد والخنوع له وتبرير ذلك بشتى المبررات إلى طلب العدالة وسيادة القانون والتمسك بالحق في التعبير والتنظيم الاجتماعي والسياسي
التغيير من الكذب والنفاق والتملق إلى الصدق والصراحة والشفافية
التغيير من تقديس الرجال إلى احترامهم من دون تقديسهم وتنزيههم عن الخطأ سواء كانوا حكاماً أو مشايخ أو غيرهم من ذوي الشأن مهما علت مكانتهم
التغيير من انخفاض تقديرنا لذاتنا كسوريين والاعتقاد بأننا خلقنا قطيعاً لا يقاد إلا بالعصا إلى ارتفاع تقديرنا لذاتنا والاعتقاد بأننا بشر أحرار كغيرنا يحق لنا أن نختار من يحكمنا وأن نراقبه ونحاسبه
التغيير الفكري هو التغيير الحقيقي والجذري الذي لا يقبل العودة إلى الوراء وبمقدار ما يستمر هذا التغيير وينتشر ويتحول إلى ممارسات بمقدار ما يتغير واقعنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي


• المسالة أعمق مما يبدو بكثير، هي مرتبطة بفهم الدين وفهم مهمته الأخلاقية الأساسية وموقع الكرامة الإنسانية من غاياته ومقاصده، عندما يٌفهم الدين على أنه حرية من العبودية للبشر بقدر ما هو حرية من العبودية للشهوات، عندها لن نجد أنفسنا منقسمين بين ضحايا يلغ مجرم في دمائهم وصامتين يهشون في وجهه حفاظاً على هذا الدين!

Share