خواطر 2025-2
• نجاح سورية الجديدة يعتمد على الموازنة بين قوتين: قوة الدولة وقوة المجتمع، قوة الدولة تكون بقوة مؤسساتها وبأن تطبق قوانينها على الجميع، وقوة المجتمع تكون بوعيه وتنظيمه وكياناته الأهلية والمدنية والسياسية التي تعبر عنه وتعمل على تحقيق مصالحه
عندما يكون المجتمع ضعيفاً تتغول الدولة عليه ويصبح ضحية شبكات المصالح الضيقة التي تعمل ضد الصالح العام
وعندما تكون الدولة ضعيفة تدب فيها الفوضى والصراعات وتفقد القدرة على تحقيق مصالحها القومية العليا
عندما يعيش المجتمع عقوداً تحت وطأة الاستبداد يفقد ثقته بنفسه ويصدق أسطورة أنه لا يقاد إلا بالعصا وأن عليه مقايضة الأمن بالكرامة فيتخلى للسلطة عن كرامته وحقه في التعبير والتنظيم مقابل أن تؤمن له الأمن والاستقرار وهي مقايضة خاسرة جربها السوريون وعرفوا كيف تؤدي بهم في نهاية المطاف إلى خسارة الأمن والكرامة معاً
يتميز السوريون بقدرتهم الكبيرة على التعلم والتكيف، ثقافة المجتمع السوري اليوم تتغير وهو يستعيد ثقته بنفسه وينتج قواه المجتمعية والسياسية التي تحقق مصالحه، انتهى إلى الأبد خيار: الأمن أو الكرامة، سنكسب الاثنين معاً بإذن الله بالوعي والتنظيم وبناء القدرات التي نحتاجها لقيام دولة قوية ومجتمع قوي في آن واحد
• عندما تسمع سورياً يقول بعد سقوط النظام (الله يجيرنا من المجهول) تدرك كم شّوه النظام نفوس الناس وأفقدهم ثقتهم بأنفسهم وبربهم حتى أصبحوا يخشون المستقبل أكثر من خشيتهم من حياة الذل والعبودية التي كانوا يعيشونها
عندما يقول قائل (الله يجيرنا من المجهول) بعدما رأى تدمير النظام لنصف سورية واستخدامه للكيماوي وقتله لمئات الألوف في صيدنايا وغيرها، تدرك أن جريمة النظام الكبرى لم تكن في حرمان الناس حريتهم وإنما في وأد التوق إلى الحرية في نفوسهم حتى أصبحوا يتوهمون أن حياتهم في ظل العبودية أكثر أمناً واستقراراً من حياة الحرية
عندما يكسر الناس طوق العبودية ويقررون ألا يحنوا رؤوسهم إلا لله يقتحمون الأخطار دون خوف من (المجهول) متكلين على الله وحده، عندها يبسط الله أمامهم درب الأمان كما بسطه أمام موسى وقومه عندما تمردوا على فرعون واقتحموا البحر غير هيابين ولا وجلين (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ)
• مفهوم (المعارضة) في سورية الجديدة
لا تستقيم الحياة السياسية في أي بلد من دون وجود حكومة ومعارضة، الحكومة تطبق برامجها والمعارضة تراقب وتصوب عمل الحكومة وتمارس حقها في أن يكون لها وجهة نظر مختلفة حول تحقيق مصلحة البلاد في هذه المسألة أو تلك
المعارضة تعترف بالحكومة وتخضع لقوانينها وتحترم أشخاصها وتمارس حقها في النقد والتصويب بموضوعية وهي جزء من النظام السياسي في البلاد وليست خارجه
المعارضة ليست عدواً للحكومة وإنما منافس سياسي لها والبلاد الحرة تحتاج إلى منافسة سياسية حتى يضطر من في الحكم إلى الوفاء بوعوده وتقديم أفضل ما لديه ليكسب رضا الناس ويفوز بأصواتهم في الانتخابات القادمة
قبل سقوط النظام كان مفهوم (المعارضة) يُستخدم تجاوزاً لوصف من يواجهون النظام البائد، وهو استخدام غير دقيق فنحن كنا نريد إسقاط النظام لا التنافس معه سياسياً ولذلك أصبح مفهوم (المعارضة) يحمل معاني العداء والمواجهة والإسقاط في أذهان السوريين ويجب الآن تصحيح هذه المفهوم وإعادته إلى أصله في النظم السياسية الحرة
في هذه المرحلة الانتقالية لا يوجد حكومة ومعارضة بالمعنى السياسي المتعارف عليه، لأنه لم تُجر انتخابات حرة تفرز حكومة ومعارضة، في هذه المرحلة هناك قوى سياسية ومجتمعية تتعاون فيما بينها من أجل العبور بسورية إلى بر الأمان، وفي أثناء هذا العبور يحق لمن هم خارج الحكم أن يعارضوا ما يعتقدون أنه خطأ، يعارضون هذا القرار أو هذه السياسة ويؤيدون ذاك القرار أو تلك السياسة، فالمعارضة ليست لمن في الحكم بالمطلق وإنما لبعض قراراتهم وسياساتهم، وبعد إقرار الدستور الجديد وإجراء أول انتخابات تولد الحكومة والمعارضة بالمعنى المتعارف عليه في الدول الحرة
من يحكمون سورية اليوم ومن سيحكمونها غداً بعد أول انتخابات حرة هم إخواننا من السوريين سواء اتفقنا معهم أم اختلفنا أما نظام القتل والإجرام الذي أسقطناه فقد انتهى إلى غير رجعة
عاشت سورية وعاش السوريون أحراراً كراماً إلى آخر الزمان
أعرف رجلاً سمى الثورة منذ يومها الأول (فتنة) وكان يقول لي ولأمثالي (خربتم البلد) وظل على موقفه هذا حتى آخر يوم قبل سقوط النظام ثم يتبجح في المجالس اليوم أنه كان (مرابطاً) وأن المرابطين لا يقلون في الفضل عمن ثاروا ومثل هذا الرجل كثيرون
لأننا ننظر إلى المستقبل ونريد فتح صفحة جديدة ويهمنا بناء البلد نعتبر هؤلاء اليوم شركاءنا في عملية البناء، لكن أن يعتبروا أنفسهم شركاءنا في الثورة أيضاً فهذا من باب الكذب والتدليس وخلط المفاهيم الذي اتصف به عهد الذل والنفاق والخنوع والذي لا نريده أن يستمر في سورية الجديدة الحرة الصادقة. نقطة انتهى
• في حديث مع أخ حبيب حول دور المثقف ودور السياسي واستحالة الجمع بينهما، كان رأيه أن المثقف يقول الحقيقة دون أي حسابات، بينما السياسي يهمه النجاح ويستحيل الجمع بين الدورين
تاريخياً هناك مثقفون ينتمون إلى عالم الفكر والقلم لعبوا أدوراً سياسية مثل علي عزت بيغوفيتش ومصطفى السباعي وحسن الترابي وغيرهم، أعتقد أن الجمع بين الدورين ممكن وإن كان صعباً وهو يحتاج إلى إعادة تعريف دور كل من (المثقف) و(السياسي) والأهم من ذلك إعادة تعريف (النجاح)
المثقف الذي لا يشتبك مع الواقع ولا تؤدي أفكاره إلى تغيير الواقع يكون تأثيره صفراً وبالتالي المثقف يهمه النجاح أيضاً ونجاحه يكمن في تغيير الواقع عن طريق تغيير أفكار الناس والسياسة هي أهم وأسخن ساحات الاشتباك مع الواقع
والسياسي الذي لا يعمل وفق فكر واضح يطرحه أمام الناس والذي لا تطابق أفعاله أقواله والذي يعتبر الغايات تبرر الوسائل-مهما كانت الوسائل- قد ينجح في تحقيق زعامة وتبوء منصب لكنه لن ينجح في بناء مجتمع قائم على الصدق والعدالة والكرامة
نعم الجمع بين دوري السياسي والمثقف تحدٍ عظيم قد ينجح صاحبه وقد لا ينجح لكنها حياة واحدة وهو تحدٍ يستحق أن يعيش الإنسان من أجله ويموت في سبيله
• لا حياة سياسية من دون قوى سياسية منظمة أي أحزاب تجتمع حول فكرة وليس حول شخص أو عشيرة أو منطقة أو ممول!
ليس صحيحاً أن الأحزاب تؤدي إلى تشتت المجتمع بل العكس تماماً هي تنظم المجتمع وتجمع أفراده حول أفكار ومشاريع بدل أن يبقوا مذررين مشتتين وتعطي الجميع فرصاً متكافئة في المساهمة في بناء البلد
• المرحلة الانتقالية هي فرصة ذهبية لن تتكرر لإحياء السياسة بين السوريين ولكي يحضروا أنفسهم للمرحلة الدائمة بعد إقرار الدستور الجديد بحيث تكون هناك أحزاب وبرامج تتنافس على خدمة السوريين عند أول انتخابات
أي وأد للحياة السياسية في هذه المرحلة تحت أي مبرر هو وأد لمشروع النهضة والتحرر الذي خرجت من أجله ثورة السوريين
• أهم مؤشر على نجاح المرحلة الانتقالية برأيي أن يكون لدينا في نهاية هذه المرحلة – بعد 4 أو 5 سنوات - في أول انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق الدستور الجديد 3 أو 4 مرشحين على الأقل للرئاسة بينهم تنافس حقيقي، وأن تكون لدينا قوى سياسية منظمة لديها رؤاها وبرامجها وكوادرها التي تعرضها على الشعب السوري متنافسة في خدمته وتقديم أفضل ما لديها لكسب أصواته، عندما نصل إلى هذه الحالة تكون سورية الحرة الجديدة قد ولدت وخرجت من عباءة الاستبداد
• بعد استلام الإدارة الجديدة السلطة في سورية قال البعض: لا تنتقدوهم في العلن وإنما على الخاص، مبررهم أن الانتقاد في العلن يضعف الإدارة ويفشلها، بل يذهبون إلى القول أن من ينقد على العلن يفعل ذلك لحظ في نفسه وحباً في الظهور!
لم أسمع أحداً في الإدارة الجديدة أبدى انزعاجه من الرأي العام عندما انتقد ظاهرة أو قراراً أو ممارسة قاموا بها، بل على العكس في حالات عديدة استفادوا من النقد واستجابوا له، فلماذا يكون البعض ملكيين أكثر من الملك؟! وحجة أن النقد على العام يشوش الإدارة الجديدة أو يضعفها هي ذات الحجة التي كان النظام يكمم بها أفواه الناس (لا صوت يعلو على صوت المعركة) ولكن بثوب جديد، إفساح المجال للرأي العام ليعبر عن نفسه والاستجابة له عندما يكون محقاً هو دليل قوة السلطة وثقتها بنفسها وفي ذلك مصلحة السلطة والمجتمع معاً فلا تظنوا أنكم تخدمون السلطة بالدعوة إلى عدم انتقاد أي قرار أو ممارسة أو ظاهرة متعلقة بها!
ولكن ماذا لو كان النقد مبنياً على معلومة خاطئة أو كان بأسلوب يرمي إلى الهدم لا البناء؟ في هذه الحالة يجب تصحيح المعلومة وإرشاد الناس إلى الأسلوب البناء في النقد لا كم أفواههم! نعم يجب ترشيد النقد وجعله بنّاء وموضوعياً والمجتمع الحر هو مجتمع ناقد يعرف كيف ينقد بوعي ومسؤولية وموضوعية وتدريب المجتمع على ذلك يكون بالممارسة وليس بنسف مبدأ النقد من أساسه وبكم أفواه الناس إلا أن يكونوا مداحين ومصفقين، إن حرية التعبير والنقد من صفات المجتمعات الحية الحرة وغياب أي انتقاد للسلطة على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي هو من صفات المجتمعات الميتة الخانعة
• لا يجوز أن يكون في سورية الجديدة أي شكل من أشكال المحاصصات الطائفية أو المناطقية أو الحزبية في مناصب الدولة، الوصول إلى أي منصب يجب أن يكون على أساس الكفاءة والأمانة (القوي الأمين) ولكن من الذي يملك الشرعية ليحدد من هو القوي الأمين ويعينه في منصبه؟
حالياً الإدارة الجديدة بالشرعية الثورية التي تملكها والتي تلقى قبولاً شعبياً عاماً هي التي تقوم بتحديد القوي الأمين وتعيينه في منصبه، وخلال المرحلة الانتقالية التي تستغرق 5 سنوات يجب أن نعمل كثيراً حتى نصل إلى دولة (المؤسسات والقانون) التي تحدث عنها الرئيس أحمد الشرع في خطابه إلى الشعب السوري، في دولة المؤسسات والقانون ستستبدل الشرعية الثورية بالشرعية السياسية عن طريق صناديق الاقتراع ولا يتحقق ذلك إلا بقوى مجتمعية وسياسية منظمة يجب أن تبدأ منذ الآن بتشكيل كياناتها وبناء كوادرها ووضع رؤاها وبرامجها، عندها نكون قد وصلنا بسورية إلى بر الأمان ووضعناها على سكة الاستقرار والازدهار المستدامين
• الحب والغرام والعشق والوله الذي يجعل العاشق لا يرى إلا محاسن محبوبه بل يرى عيوبه محاسناً حالة عاطفية معروفة تغنى بها الشعراء عبر الزمان ونسجت حولها الروايات والأفلام لكن محل هذه العاطفة المشبوبة والغرام الجارف محبوبك لا السلطة التي تحكمك!
• نعم لا يملك السوريون اليوم ما يكفي من الوعي والتنظيم ليكون هناك انتخابات وأحزاب وتنافس وتداول على السلطة التي تخدم الناس، هذا طبيعي بعد عقود من تعطيل الحياة السياسية في عهد الاستبداد الأسدي
لكن هناك فرق بين من ينطلق من هذا الواقع ليرسخه بوصفه واقعاً دائماً مرتبطاً بعجز بنيوي عند الإنسان السوري فيهزأ ويسخف كل دعوة إلى تجاوزه بوصفها تنظيراً ومثالية في شعب لا يهمه إلا الكلأ والمرعى
وبين من ينطلق من هذا الواقع ليبدأ مساراً من التوعية والتنظيم ينتهي بقيام منظومة سياسية متكاملة فيها دولة مؤسسات وقانون، وفيها قوى سياسية منظمة تتنافس على خدمة الناس حتى لا يصل إلى الحكم ولا يبقى فيه إلا الأكثر كفاءة وإخلاصاً بعيداً عن فكرة الحزب القائد للدولة والمجتمع، وفيها طبقة من القادة السياسيين حتى لا يبقى مصير البلد معلقاً بشخص واحد، وفيها شعب واع يعرف حقوقه وواجباته ومصالحه وكيف يوصل لأماكن صنع القرار من يحقق هذه المصالح وكيف يحاسبه ويراقبه ويستبدله
ليأخذ مسار التوعية والتنظيم للوصول إلى هذه المنظومة ثلاثة أعوام أو خمسة أعوام أو حتى عشرة أعوام لسنا مستعجلين، المهم أن تكون هناك هذه الرؤية القائمة على الإيمان بالإنسان السوري وأن يكون هناك مسار لتحقيقها، أما أن تنعدم هذه الرؤية وهذا الإيمان فلن يكون هناك مسار أصلاً!