cover

خواطر 2025-3

• صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لمن يعرف ولمن لا يعرف أن يتكلم، لكنها أتاحت في الوقت نفسه لكثير من المختصين وأصحاب المعرفة العلمية والأفكار الرائعة الوصول إلى الناس بمن فيهم أنت، وأتاحت لك أيضاً الوصول إلى الآخرين
لا يفيد هنا كثرة التأفف من (الجهل) و(السطحية) التي تفيض بها وسائل التواصل الاجتماعي والتعامل معها بأنف مرفوع، هي ساحة للجميع لا يمكننا فيها إسكات أصوات لا تعجبنا، لكن يمكننا أن نزج فيها بمزيد من العقلانية والفائدة وبمزيد من الأفكار والمشاعر الإيجابية، ويمكننا فيها أن نعلم ونتعلم كيف ننتقي من نأخذ عنهم وكيف نفكر بشكل ناقد وكيف نعرض عن الجاهلين بهدوء في العالم الافتراضي كما في العالم الواقعي (وأعرض عن الجاهلين)
(هي لله هي لله لا للمنصب أو للجاه)
هكذا هتف السوريون في بداية ثورتهم بشكل فطري، صحيح أنها عبارة فطرية لكنها تحمل فلسفة سياسية كاملة هي جوهر الثورة السورية مفادها: نريد حكاماً يخافون الله فينا، حكاماً يعملون من أجلنا لا من أجل المنصب والجاه
أسست الثورة السورية بهذا الشعار الفطري لمفهوم جديد في السياسة وهو خدمة الناس وتحقيق مصالحهم، لكن من الذي يضمن وصول من يخدم الناس ويحقق مصالحهم إلى سدة الحكم؟ ومن يضمن مراقبة الحاكم ومحاسبته حتى يظل ملتزماً بخدمة الناس وتحقيق مصالحهم؟ الناس أنفسهم هم من يضمنون ذلك، المجتمع الحي الحر الواعي المنظم بجمعياته المدنية وأحزابه السياسية هو من يضمن ذلك، وبالتالي لم يعد التنظيم السياسي نشاطاً شريراً يستعاذ بالله منه وإنما واجب وطني وشرعي وأخلاقي لا تستقيم الحياة السياسية إلا بممارسته
هذا هو الانقلاب الثوري في مفهوم السياسة الذي جاءت به الثورة السورية يريد البعض أن يطمسوه، ليعود الشعب قطيعاً يصفق لمن يسوقه لا سيداً يعين من يخدموه ويراقبهم ويحاسبهم ويستبدلهم


• مقولة غريبة سمعتها اليوم: نحن لا نستحق النصر لكن الله منّ به علينا!
لا أتفق مع النصف الأول من المقولة فوالله نحن نستحق هذا النصر، اعتُقلنا وهُجّرنا وقُتلنا وجُرحنا وأعددنا وصبرنا طوال أربعة عشرة عاماً حتى استحققنا نصر الله بإسقاط النظام
وأتفق مع النصف الثاني من المقولة؛ نعم منّ الله علينا بالنصر لأنه أعطانا القوة والعزيمة والصبر والإيمان حتى نثور على النظام المجرم ونستمر في ثورتنا كل هذه الفترة رغم كل المعوقات
واليوم المطلوب منا أن نستمر في البذل والتضحية وتحمل مسؤولياتنا حتى نستحق استكمال النصر وقيام دولة العدل والقانون التي ثرنا من أجلها، وذلك بملء الشواغر بالمخلصين، وإعانة من يحكم بالنصيحة الصادقة، وفضح الوصوليين والمنافقين والكاذبين حيثما وجدوا


• عندما ينظر الإنسان بعدسة (العُجب) إلى نفسه تكبر في عينيه ميزاته وإنجازاته وتصغر عيوبه وإخفاقاته، يحدث العكس تماماً عندما ينظر بهذه العدسة إلى الآخرين فهي تكبّر عيوبهم وإخفاقاتهم وتصغّر ميزاتهم وإنجازاتهم، وهكذا ينفصل المعجب عن واقع ذاته وواقع العالم ويضيع الكثير من الفرص في تطوير نفسه والاستفادة من الآخرين، يزداد الطين بلة عندما يحيط بالمعجب مجموعة من المنافقين لا يقولون إلا ما يرضيه


• مراعاة الرأي العام وتفهم دوافعه ومشاعره ومخاطبته باللغة التي تناسبه شيء، والشعبوية والانقياد خلف ما يطلبه الجمهور شيء آخر
القادة الذين يملكون رؤية ويسعون للنهوض بمجتمعاتهم يرفعون وعي الناس ولا يهبطون إلى وعي مزيف إرضاء للناس، طبعاً يجب أن يتم ذك بالكثير من التواضع والرفق والتفهم وبناء الثقة مع الآخرين حتى لا يتهم صاحب الفكرة (الغير شعبية) بالتنظير أو التعالي
في التوجيه النبوي ألا يكون الإنسان (إمعة) ينقاد خلف الجموع وإنما أن يحسن إن أحسن الناس ويتمايز عنهم إن أساءوا وقادة الفكر والرأي هم الأولى باتباع هذا التوجيه


• تتعامل الدول مع الإدارة الجديدة لأنها فرضت واقعاً بالقوة وليس لأن هذه الإدارة جزء من مؤامرة كونية! نظرية المؤامرة يعشقها الخوارون الكسالى لأنها تفسر كل شيء بدون تفكير وتقنع صاحبها أننا كشعب لا نملك من أمرنا شيئاً وبالتالي ليس علينا أن نفعل شيئاً
الانتصار الساحق للثورة السورية حطم نظرية المؤامرة إلى الأبد وأثبت أن الشعوب تستطيع بجهادها وصبرها وجرأتها وطموحها وثقتها بنفسها أن تنتزع مساحات الفعل والقرار وأن تكون لاعباً لا ملعوباً به
طبعاً ليس المقصود بنظرية المؤامرة الاعتقاد بأن هناك أعداء يتآمرون علينا فهذا أمر طبيعي لا ينكره عاقل، المقصود بها نهج في التفكير يفسر كل الظواهر على أنها مؤامرة من قوى لا يحدث شيء على هذا الكوكب إلا ضمن إرادتها ومخططاتها!


• كل الشعوب على وسائل التواصل الاجتماعي تتناول القضايا السياسية والفكرية والاجتماعية التي هي مثار جدل وأخذ ورد وتضج هذه الوسائل بخلافاتهم لأنه حيث يوجد الخلاف يوجد الحافز لاستخدام هذه الوسائل في طرح وجهات النظر المختلفة والدفاع عنها واسألوا أقاربكم وأصدقاءكم الذين يعيشون في دول العالم المختلفة
هذا أمر طبيعي وليس حكراً على السوريين فقط فلا تدفعوا السوريين ليظنوا بأنفسهم سوءاً بالقول: إنهم يحبون الخلاف، هم طبيعيون جداً


• (نأخذ بالظاهر ولا نحكم على النوايا) عبارة صحيحة ولكن؛ الظاهر هنا ليس (بعض) ما يظهر من الإنسان في لحظة معينة من قول أو فعل، وإنما هو (كل) ما يظهر منه من أقوال وأفعال خلال تجربتنا وتجربة الآخرين معه، يحللها العقل ويقيّمها القلب ليأتي الحكم بعد ذلك
والحكم هنا ليس الحكم القضائي الذي يحتاج إلى أدلة قاطعة وإنما هو التقييم الشخصي الذي يحقّ لكل إنسان أن يتخذه بناء على قناعاته وحَدْسه والذي لا يُلزم أحداً غير صاحبه
أما من يفهم عبارة (نأخذ بالظاهر ولا نحكم على النوايا) بأنه يكفي أن يقول الإنسان كذا أو يفعل كذا لنحكم عليه بناء على هذا القول أو الفعل دون أخذ السياقات بعين الاعتبار فتلك سذاجة بالغة وليست من التقوى في شيء


• الحرية فعل، اشتباك مع الواقع، توسيع مستمر لهوامش التأثير وامتلاك القرار، مواجهة يومية مع نزعات التسلط أو الخنوع في نفوسنا ونفوس الآخرين، الشعارات التي لا تؤثر في الواقع تسبب راحة نفسية مؤقتة لكنها قيود من نوع آخر


• من أنعم الله عليه بظروف جعلته متقدماً في الوعي والمعرفة على الآخرين عليه أن يحدث بنعمة الله بنشر الوعي ونقل المعرفة إلى قومه أما من تدفعه معرفته لاتهام قومه بالـ(التخلف) فهو كالحمار الذي يحمل أسفاراً!


• الرجل الذي وضعت القيود في قدميه عقوداً ومنع من السير ثم بدأ المسير للتو من الطبيعي أن تكون خطواته مضطربة وأن يتعثر، وهنا إما أن نصبر على تعثر خطواته ونشجعه على المسير ونعلمه كيف يمشي حتى تستقيم خطواته، أو أن نقول له أنت لا تصلح للسير ونجبره على القعود فيبقى مشلولاً إلى الأبد
اللسان الذي منع من الكلام عقوداً ثم أعطي فرصة التكلم لا بد أن يتلعثم في البداية وهنا إما نستخدم هذا التلعثم كمحفز لتعليم صاحب اللسان النطق السليم حتى ينطلق وتستقيم عباراته، أو أن نستخدمه مبرراً لإقناعه بأنه لا يصلح للكلام ونجبره على السكوت فيبقى أبكم إلى الأبد
العين التي عاشت في الظلام عقوداً، عندما يلامس النور أجفانها أول مرة ستتألم وتحمرّ وتدمع وترى الأشياء مغبّشة مشوهة وهنا إما أن نستخدم هذا الألم والغبش حافزاً لتشجيع صاحب العين على التأقلم مع النور حتى تتعافى رؤيته، أو أن نستخدمه مبرراً لإقناعه أنه من الأفضل أن يعود إلى الظلام للتخلص من الألم والغبش فيبقى أعمى إلى الأبد
أستطيع أن أطرح مزيداً من الأمثلة لكن أكتفي بما سبق وأنتقل مباشرة إلى الشاهد منها:
نعم الشعب السوري اليوم غير مهيّأ لانتخابات وحياة سياسية كما هو الحال في الدول المتقدمة، لديه ضمور في الوعي السياسي وفي المهارات اللازمة ليرتب صفوفه وليخرج قوى سياسية منظمة تعبر عنه وتتنافس فيما بينها بشكل شريف لتحقيق مصالحه وهذا ضمور طبيعي بعد عقود من تعطيل الحريات فالعضلة التي لا تُستخدم تضمر، إذا قامت انتخابات غداً قد لا يحسن الشعب السوري الاختيار، وقد يكون قابلاً للخديعة ولأن تُشترى أصواته
نستطيع أن نستغل هذا الواقع لنقول إن الحرية والتعددية التي تعمل بين شعوب أخرى لا تعمل بين السوريين لأنهم متخلفون وبالتالي عليهم أن يرضوا بحكم الحزب الواحد والقائد الخالد وبالتالي نرسخ عند الشعب السوري قلة وعيه وضعف مهاراته وندفعه ليظن السوء بنفسه ونضعف ثقته بإمكانياته ونساهم في إبقائه على ما هو عليه بل في زيادة الضمور في عضلات الحرية والمسؤولية لديه بسبب تعطيلها
ونستطيع أن نجعل من هذا الواقع حافزاً لاستثمار سنوات المرحلة الانتقالية الخمس في توعية السوريين وتنظيمهم وتمكينهم وبناء مهاراتهم وقدراتهم حتى تصبح لديهم قوى مجتمعية وسياسية منظمة قادرة على التنافس الإيجابي في تحقيق مصالحهم وحتى يصبح لديهم القدرة على حسن الاختيار وعندهم حد أدنى من المناعة ضد الخداع وضد استغلال عواطفهم أو حاجاتهم المادية
أخيراً كلما كتبت حول هذا الموضوع تلوح في مخيلتي صور ضباط الأمن الذين كانوا يستدعونني قبل الثورة، أتذكرهم وهم يبتسمون بخبث قائلين: تريد حريات سياسية؟! وين مفكر حالك دكتور؟ بسويسرا؟ هذا الشعب ما بيمشي إلا بالعصاية، نحن أو الفوضى!


• يحقق زيدٌ إنجازاً في هذه الحياة وفق ظروفه وإمكانياته فإذا تقدم عمرو وكان قادراً على إنجاز ما لم يستطع زيدٌ إنجازه لاختلاف الإمكانيات والظروف فإن زيداً يكون قد أدى قسطه إلى العلا وأسلم العصا لمن يعقبه في سباق التتابع ليمضي بها إلى الهدف ذاته طالما الإنجاز يصب في تحقيق هدف واحد، عندما نفكر أفراداً وجماعات بهذه الطريقة نتجنب الكثير من الصراعات والاستئثار والتحطيم المتبادل


• عبارة (الشبيحة) استخدمت قبل الثورة لوصف عصابات في جبال الساحل - تابعة لعائلة الأسد غالباً- كانت تمارس السلب والنهب ثم أصبحت تطلق على العصابات التي ساهمت مع النظام في قمع ثورة السوريين، ثم أصبحت تطلق على كل من يؤيد نظام الأسد بالقول، ثم أصبح البعض يستخدمها لوصف كل من يختلف معه بطريقة فيها تجني أو تهجم شخصي، ثم أصبح البعض يستخدمها لوصف كل رأي مخالف!
ما كل رأي مخالف تشبيح مهما كان الرأي أو أسلوب عرضه خاطئاً في نظرنا وإلا لأصبح أكثرنا شبيحة بشكل أو بآخر! أعتقد أن وصف التشبيح يجب أن يقتصر فقط على مؤيدي الإجرام الأسدي بالفعل أو بالقول لأن استخدامها في غير هذا الموضع يزيل الحدود بين مؤيدي إجرام الأسد وغيرهم وفي هذا تخفيف من إجرام هؤلاء وظلم لغيرهم


• ماذا يعني عند السني السوري أن يسكت العالم على مقتلته طوال 14 عاماً وأن تستنفر الدول الكبرى ومجلس الأمن من أجل قتل سوريين من طوائف أخرى، هذا يعني عنده أن دمه في نظر هذه الدول أرخص من دماء الآخرين وأنه في نظرهم ليس إنساناً مثلهم بل كائناً أقل قيمة منهم
كل الشرور في المنطقة والعالم تبدأ من هذه النظرة العنصرية الفوقية اللاأخلاقية واللاإنسانية، يجب أن نقول الأمور كما هي

Share