cover

خواطر 2025-8

• عبارة يتم تناقلها على وسائل التواصل الاجتماعي مضمونها: لن أنتقد الحكومة بحرف واحد والنقد خيانة والنقد رصاصة ما دامت الحكومة تتعرض للتحديات
أولاً، لم أسمع من أي مسؤول في الدولة الجديدة ولم ينقل لي عن مسؤول أنه يمنع الانتقاد ويحذر منه ويعتبره خيانة، بل على العكس تماماً المسؤولون يرحبون بالانتقاد ويستفيدون منه ويستجيبون له، وقد رأينا منذ بداية التحرير كيف تم التراجع عن بعض القرارات والتصرفات وكيف صدر من مسؤولين اعتذارات وتوضيحات لمجرد أن الرأي العام تحرك في انتقاد قرار أو سلوك صدر من مسؤول أو موظف حكومي هنا أو هناك
ثانياً، نعم هناك من ينقد بنية الهدم لا البناء وهناك من نقده غير موضوعي، لكن علاج ذلك لا يكون بمنع النقد وإنما برفع الوعي بكيفية النقد الموضوعي البناء وبممارسة هذا النقد والتصحيح المستمر للأخطاء الناجمة عن هذه الممارسة، وهكذا يكتسب السوريون تدريجياً الحكمة الجماعية التي تعرف ماذا تنقد وكيف تنقد ويتعلمون من بعضهم البعض وتتطور أفكارهم وتتلاقح . نحن شعب خرجنا إلى الحرية حديثاً بعد كم للأفواه استمر عشرات السنين فمن الطبيعي أن تكون هناك أخطاء في البداية في ممارسة حرية التعبير لكن هذه الأخطاء لا تعالج بالتخلي عن الحرية والعودة إلى كم الأفواه وإنما بالتوعية بكيفية ممارسة هذه الحرية بشكل صحيح، تماماً كما أن المتلعثم بالكلام نتيجة لوضع لصاقة على فمه لعشرات السنين يُعالج بتشجيعه وتعليمه النطق الصحيح وليس بإعادة اللصاقة إلى فمه مرة أخرى!
ثالثاً، برأيي هناك أربعة شروط تجعل النقد موضوعياً وبناء:
1- التأكد من صحة المعلومة
2- الابتعاد عن الاتهام والتخوين والحكم على النوايا ومهاجمة الأشخاص وأن يتركز النقد على القرارات أو السلوكيات وليس على الأشخاص
3- أن تكون المصلحة الوطنية هي البوصلة التي توجه انتقادنا فعندما أنتقد قراراً أو سلوكاً فلأنني أرى فيه ما يخالف مصلحة البلد
4- أن يكون الانتقاد مدعوماً بالحجة والمنطق فعندما أنتقد قراراً أو سلوكاً علي أن أبين لماذا يضر بمصلحة البلد، ومن له رأي آخر عليه أن يبين رأيه بالحجة والمنطق أيضاً وهكذا يتشكل جو آمن من الحوار البناء وإبداء الرأي يتعلم فيه الجميع من بعضهم البعض دون اتهام أو تخوين
رابعاً، أما أننا لن ننقد ما دامت الحكومة تتعرض لتحديات وضغوط فإن هذه التحديات والضغوط لن تنتهي، في كل الدنيا من في الحكم يتعرضون لتحديات وضغوط ودائماً هناك من ينتقدهم بحسن نية أو بسوء نية، كم الأفواه بحجة أننا نتعرض لتهديدات وأننا في حالة طوارئ وأن هناك عملاء وخونة وأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة حجج بالية استخدمها النظام البائد طوال ستة عقود لكم أفواه السوريين ولا يليق بنا نحن أبناء الثورة إعادة إنتاجها
خامساً، لنتصور أن جميع السوريين عملوا بمقولة: لن أنقد الحكومة بحرف، ماذا سيحدث؟ سيتحول الفضاء العام إلى مقبرة للصمت لا مجال فيها لأي رأي مخالف للحكومة بل سيتحول الفضاء العام إلى مسرح للتطبيل والتزمير، هل هذا ما خرجنا من أجله؟!


• ما كان للنظام البائد أن يسقط إلا بقوة السلاح، وما كان للثورة أن تمتد شعبياًً لتشمل سورية كلها وأن تحوز شرعيتها السياسية والأخلاقية التي جعلتها اليوم في موقع المنتصر الذي يحاكم المجرمين إلا لأن مئات الألوف من الثوار الشجعان خرجوا بصدورهم العارية يطالبون بحقوق كل السوريين وصمدوا بلحمهم الحي في وجه القوة الغاشمة شهوراً طويلة، فلتتنزل رحمات الله على شهداء ثورتنا من أول متظاهر سلمي سقط برصاص النظام البائد إلى آخر مجاهد انغماسي نكل بقوات العدو الأسدي وحلفائه، ولتكن سورية الجديدة أفقاً جديداً يلتقي فيه سعي السوريين نحو الحرية والعدالة والكرامة التي قامت ثورتهم من أجلها


• هناك مقولة للدكتور مازن هاشم أستاذ علم الاجتماع سمعتها منه أكثر من مرة معناها (في الأمور المتعلقة بالإنسان لا يوجد "كتالوك" تفتحه لتعرف التصرف الصحيح في كل موقف)
وهذا ما علمتني إياه التجربة، نعم توجد قواعد عامة في الكتب والدورات المتعلقة بالمجالات الإنسانية كالتربية والسياسة والإدارة لكن إسقاطها على الواقع لا يتم بشكل آلي بل يحتاج إلى حكمة وحسن تدبير وهنا لا توجد أحكام قطعية بل اجتهادات تحمل طابع النسبية
التعامل مع الأمور المتعلقة بالإنسان بطريقة الكتالوك واعتبار وجهات النظر حولها أحكاماً قطعية غالباً ما يؤدي إلى تصلب في المواقف يعزل صاحبه عن الواقع ويضعف تأثيره فيه


• في إبداء الرأي وإشكالية الاختصاص
عندما تذهب إلى طبيب ويصف لك دواء لا يحق لك أن ترفض الدواء لأنك لست صاحب اختصاص، ولا يحق لك أن تسأل الطبيب (لماذا هذا الدواء؟ وما هو مرضي؟) فعقلك لن يستوعب الإجابة لأنك لم تدرس الطب ولم تقرأ وتستوعب عشرات الكتب التي قرأها الطبيب واستوعبها. قياساً عليه لا يحق لك أن تعترض على أي قرار تتخذه الحكومة التي تدير شؤون بلادك ولا أن تسألها لماذا؟ فالحكومة مكونة من أصحاب اختصاص وأنت لست كذلك.
يستخدم البعض هذه الحجة لإسكات أي صوت ينتقد أو يخالف حكومة بلاده بحجة أن المنتقدين جهلة وليسوا أصحاب اختصاص وأريد أن أفند هذه الحجة باستخدام مثال الطبيب نفسه لأنني مارست الطب فترة من الزمن ولأن هذه الحجة برأيي من أدوات القمع الذاتي التي تجعلنا نعيد تكميم أفواهنا بأيدينا هذه المرة؛
1- بعض المسائل تحتاج إلى اختصاص فعلاً، لكن هذا لا يلغي حق المعنيين بهذه المسائل من أن يسألوا لماذا ويطلبوا الشرح. أنا مارست مهنة الطب لأكثر من 15 عاماً وشاهدت كيف أن الطبيب الناجح ليس من يشخص المرض بشكل صحيح ويعطي الدواء الصحيح وحسب، بل هو الطبيب الذي يحترم مريضه ويبني الثقة معه، وأهم وسائل الاحترام وبناء الثقة أن يشرح للمريض بلغة يفهمها طبيعة مريضه وكيف يعمل العلاج، هذا أدعى إلى الالتزام بالعلاج لأنه أصبح عن فهم وقناعة، وأدعى إلى الثقة بالطبيب تلك الثقة التي تشكل بدورها دافعاً أساسياً للالتزام.
2- كثير من مسائل الشأن العام تتعدد فيها الآراء من أصحاب الاختصاص أنفسهم، كما يحدث عندما يختلف الأطباء في تشخيص مرض أو في علاجه، في هذه الحالة المريض وحده هو من يقرر من الطبيب الذي سيأخذ برأيه، قراره هذا مرهون بسمعة الطبيب أولاً وفي حال تقارب الأطباء بالسمعة مرهون بالطبيب الذي يرتاح له وهنا بلا شك سيرتاح للطبيب الذي يجيب على أسئلته ومخاوفه بشكل أفضل.
3- أحياناً يعرف المريض أكثر من الطبيب لأن المرض مرضه والجسد جسده وتكون مشاركة الطبيب هذه المعرفة سبباً في نجاح العلاج، مثلاً قد يصف الطبيب دواء جربه المريض من قبل وسبب له آثاراً جانبية، اعتراض المريض هنا سيؤدي إلى استبدال الدواء.
4- القيم والمبادئ التي يحملها صاحب القرار تأتي قبل الاختصاص، بل على أساسها يتم وضع الخطة واختيار المختص وطلب رأيه التقني. مثلاً إذا كان الحفاظ على البيئة قيمة عليا عند صاحب القرار سيسأل المختصين بالبيئة عندما يخطط للصناعة أو الزراعة أو العمران، أما إذا كان الربح والكسب المادي والسياسي السريع قيمة عليا عنده فستتغير الخطة وسيتغير المختصون والمسائل التي يُطلب رأيهم فيها، وبالتالي الرأي هنا لا علاقة له بالاختصاص وإنما بالتوجه السياسي العام وبالقيم والمبادئ التي يحملها صاحب القرار والتي يختلف فيها الناس ويحق لهم أن يعبروا عن اختلافاتهم بغض النظر عن اختصاصاتهم.


• يحدث أن يتصرف شخص ما بطريقة معينة فنفسر تصرفه تفسيراً خاطئاً ويتحول هذا التفسير إلى عدسة تشوه تفسيراتنا لتصرفاته اللاحقة وهكذا نبني لهذا الشخص رواية كاملة أجزاؤها متسقة لكنها خاطئة لأنها مبنية على افتراضات خاطئة، عندما نكتشف التفسير الصحيح للتصرف الأول؛ بالتواصل المباشر الصريح مع الشخص أو بطريقة أخرى، نخجل من روايتنا المتخيّلة ونضحك من أنفسنا كم كان خيالنا واسعاً


• أنا أنظر إلى السوري وكأنه بذرة لزهرة جميلة، هذه البذرة إن أحطتها بالظلام والجفاف تظل بذرة قاتمة صغيرة، وإن وفرت لها التربة والنور والماء والغذاء تتحول إلى زهرة تفيض جمالاً وألواناً وعطراً
أحاط النظام البائد هذه البذرة بالظلم والظلام لتبقى على حالها وليستأثر هو بكل شيء، بعد انتصار الثورة وإسقاط النظام مهمتنا أن نؤمّن لهذه البذرة الأجواء المناسبة من حرية وتوعية وبناء قدرات وتنظيم اجتماعي وسياسي حتى تصير سورية الجديدة حديقة غناء وستصير كذلك بإذن الله


• عندما نقول أننا تخلصنا من الاستبداد واستعدنا بلدنا هذا يعني أن البلد أصبحت ملكاً لنا أي أننا نتعامل معها كما نتعامل مع ملكنا الخاص فالمال العام يصبح مثل مالنا الخاص نسائل الحكومة عن كيفية إنفاقه ونتأكد من عدم وجود أي فساد أو هدر في صرفه، بهذا الوعي تزدهر الدول وتستقر ويرتقي الإنسان ويرتفع العمران


• تفكير المجموعة groupthink هو ظاهرة في العمل الجماعي يندفع فيها أعضاء المجموعة إلى التوافق بسرعة من دون دراسة الموضوع بشكل واف وتقليب وجهات النظر من كل الزوايا واستعراض كل البدائل الممكنة، الدافع النفسي لهذه الظاهرة هو الحرص على التوافق والانسجام والابتعاد عن الخلاف لكنها تؤدي إلى إضعاف التفكير الناقد المستقل عند أعضاء الفريق وتعطل قدراتهم الإبداعية
يحدث في أثناء مناقشة موضوع ما أن يطرح أحدهم فكرة مخالفة جذرياً للفكرة التي توافق عليها بقية الفريق، فكرة تقلب نظرتهم إلى الموضوع رأساً على عقب وتعيد صياغة الأسئلة التي يحاولون الإجابة عليها وتتحدى البديهيات التي ينطلقون منها، ليس بالضرورة أن تكون هذه الفكرة صحيحة لكن يجب عدم تجاوزها وإعطاؤها حقها من النظر والنقاش وتشجيع أعضاء الفريق على طرح هذا النوع من الأفكار، ففيها أحياناً يكمن حل مشكلة مستعصية أو استثمار فرصة ثمينة


• يقول البعض: كونوا واقعيين نحن نعيش في عالم قاسٍ تلعب فيه المصالح الدور الأكبر في العلاقات وفي إبراز بعض الشخصيات التي قد لا تروق لكم أنتم جماعة (النزق الثوري)
هذا ليس نزقاً ثورياً وإنما انسجام مع مبادئ دفعنا في سبيلها الكثير الكثير من الدم والعذاب والألم فمن الطبيعي والواقعي أن تكون حساسيتنا عالية تجاه انتهاكها وأن يتم احترامها وليس العكس!


• فلسفة اليين واليانغ الصينية تنص على أن كل الأشياء توجد كأضداد غير قابلة للفصل وتتناقض مع بعضها البعض لكنها في الوقت نفسه تشكل كلّاً متكاملاً منسجماً، في القرآن الكريم ما يشير إلى هذا التضاد المتكامل المتعاقب في الخلق كقوله تعالى (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) وقوله تعالى (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل)
أريد إسقاط هذا المفهوم على الواقع السوري منذ التحرير والذي تتقاسمه وجهتا نظر متضادتان؛ الأولى ترفض التعددية وتداول السلطة من حيث المبدأ وترى أن الدول لا تنهض إلا بالالتفاف حول قائد قوي ولا مجال إلا لتأييد هذا القائد بالمطلق وأي حديث عن حريات سياسية وتشكيل أحزاب هو دعوة إلى الفوضى، ووجهة نظر مضادة تقول: قمنا بثورة من أجل الحرية والتعددية وتداول السلطة وبالتالي يرفضون بالمطلق شكل الحكم الحالي ويقاطعونه ويرفضون التعامل معه لأنه لم يقم بانتخابات تفرز سلطة عن طريق صناديق الاقتراع
هذان التصوران المتناقضان برأيي يفتقدان إلى الواقعية، والصواب هو الجمع بينهما بتصور واحد يقضي بأن تكون هناك مرحلة انتقالية تضع القيادة بيد قائد قوي معه فريق متجانس يعبر بالبلاد في هذه المرحلة الحرجة إلى بر الأمان على أن ينفتح هذا القائد وفريقه على وجهات النظر المتنوعة ويشاركها الرأي لأن ذلك أدعى إلى الرؤية الشاملة وإلى صنع توافق وطني حول القضايا الكبرى وفي الوقت نفسه إفساح المجال للسوريين خلال المرحلة الانتقالية لينظموا أنفسهم وينتجوا قوى سياسية قادرة عند انتهاء هذه المرحلة بعد خمسة أعوام على صنع مشهد سياسي وطني منظم يعكس تنوع السوريين ويوظف التنافس السياسي الشريف بينهم من أجل خدمة الشعب وتحقيق مصالحه دون أن نذهب إلى الفوضى أو الاستبداد

Share