cover

دور الفاعلية السياسية للسوريين في صناعة الاستقرار

ربما أبسط تعريف للسياسة هو (إدارة الشأن العام)، الشأن العام هو شأن يهم عموم الناس، اتفاق مجلس محلي مع شركة لتزويد منطقة  بالكهرباء شأن عام، سياسات وزارة الصحة في التلقيح أو فتح المستوصفات والمستشفيات شأن عام، سياسات وزراة التعليم  في صياغة المناهج أو تحديد معايير المدارس الخاصة شأن عام، سياسات الدولة في محاربة الفساد والحد من الرشوة والمحسوبية شأن عام وهكذا ...

 عانى السوريون 62 عاماً من الاستبداد منذ  انقلاب البعث المشؤوم في 8 آذار 1963 إلى إسقاط النظام وانتصار ثورتهم المجيدة في 8 كانون الأول 2024، في تلك الحقبة السوداء انتشر مفهوم مغلوط لـ(السياسة) ساهم النظام البائد في ترسيخه، فلم تعد السياسة إدارة الشأن العام وإنما اغتصاب البلد وحقوق الناس، وأصبح تبوء المناصب السياسية في دولة البعث سبّة لأصحابها فهي المناصب التي يتم من خلالها تحقيق المصالح الشخصية ونهب المال العام أو على الأقل السكوت على من يقوم بذلك، وهي المقاعد التي يمارَس فيها النفاق لرئيس الدولة والتزلف له والتي يرتقي أصحابها فيها بمقدار نفاقهم وفسادهم، وساهم في ترسيخ هذا المفهوم خنق النظام للحياة السياسية التي تحقق المراقبة والمحاسبة لعمل الحكومة وحظره لتشكيل الأحزاب إلا إن كانت تابعة له، وهكذا شاعت بين السوريين مقولة (السياسة نجاسة) وساد مبدأ الانسحاب من الشأن العام والاستسلام لحالة الفساد والاستبداد التي اعتقد السوريون أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً تجاهها.

اليوم بعد التحرير وإسقاط النظام ما زالت تلك العقلية الانسحابية سائدة عند الكثير من السوريين، ما زالوا يعتقدون أن السياسة شأن يخص الحكومة فقط لا علاقة لهم بها، تغيير هذه العقلية من أهم التحديات التي تواجه المصلحين اليوم الذين يريدون بناء سورية الجديدة القائمة على المشاركة بين الحاكم والمحكوم وعلى رفع وعي الناس وتمكينهم من معرفة حقوقهم وواجباتهم وتنظيم أنفسهم ليقوموا بواجباتهم ويطالبوا بحقوقهم بشكل فعال ومنهجي  يحقق العدالة والكرامة التي دفع السوريون من أجلها كل هذه التضحيات.

التغيير يبدأ بإعادة تعريف السياسة بوصفها إدارة للشأن العام، وبالتالي كل مواطن سوري معني بها حتى لو لم يكن في منصب سياسي لأن الشأن العام شأن يخصه هو، يخص حياته ومستقبله ومصلحته وحاجاته المادية والمعنوية، كل سوري معني بإيصال الأشخاص الأكفاء والمخلصين إلى المناصب التي يُدار منها الشأن العام، كل سوري معني بمراقبة ومحاسبة من يديرون الشأن العام ليلتزموا بتحقيق  مصالحه، بهذا المعنى كل سوري (فاعل سياسي) يساهم في صنع القرارت التي تمس حياته.

كيف تتحقق هذه الفاعلية السياسية في المرحلة الانتقالية؟

بأن يفهم السوريون طبيعة المرحلة الانتقالية والإعلان الدستوري الذي ينظمها والذي يحدد حقوقهم وواجباتهم خلالها.

أن يحافظ السوريون على مساحة الحرية التي اكتسبوها بعد إسقاط النظام، حرية التعبير وحرية التنظيم وأن يمارسوا حريتهم بمسؤولية حتى لا تنقلب إلى فوضى، يحتاج ذلك إلى رفع الوعي واكتساب المهارات اللازمة لممارسة الحرية بمسؤولية.

أخيراً إن تحول السوريون من رعايا سلبيين ينتظرون عطايا الدولة إلى مواطنين فاعلين سياسياً يساهمون في بنائها ووجود ساحة سياسية تتنافس فيها القوى السياسية بشكل سلمي بدل اللجوء إلى العنف هو أهم ركائز الشفافية والاستقرار والنمو في سورية الجديدة.

Share