cover

خواطر 2025-5

• ذكر لي الراحل ميشيل كيلو كيف أن أحد أصدقائه من رجال الأعمال المقيمين في أوروبا التقى ببشار خلال فترة اعتقاله وعندما سأله عن ميشيل غضب بشار وقال له بالحرف: الشعب السوري ما بيمشي بالديمقراطية الشعب السوري ما بيمشي إلا بالصرماية، يومها فضل الراحل ميشيل عدم ذكر اسم الرجل
عندما شاهدت مقابلة السيد الأصفري في تلفزيون سوريا عرفت من هو رجل الأعمال ويذكر السيد الأصفري كيف أنه عندما قال لبشار: لا بد من الإصلاح السياسي قبل الإصلاح الاقتصادي توتر بشار وقال له: الشعب السوري لا يقاد إلا بالعصا وأنت تفهم بالاقتصاد ولا تفهم بالسياسة وكان آخر لقاء بينهما
هذه النظرة الدونية للشعب السوري كنت أسمعها من ضباط الأمن عندما كانوا يستدعونني أثناء نشاطي مع إعلان دمشق، كانوا يعتبرون الحديث عن إفساح الحريات وتمكين الشعب من المشاركة السياسية (تنظير) لا ينطبق على الشعب السوري، نظرة الاحتقار للسوريين هذه تفسر سياسات النظام الإقصائية وخياراته في التعامل مع مطالب السوريين قبل الثورة وأثنائها، وهي أحد أهم أسباب ثورة الكرامة التي أعلن فيها الشعب السوري أنه كغيره من شعوب الأرض يستحق الحرية والكرامة والمشاركة السياسية
نعم السوريون اليوم ينقصهم الكثير من المعرفة والمهارات لتكون هناك حياة سياسية سوية في سورية هذا النقص سببه عدم إتاحة الفرصة لهم وليس لأنهم خلقوا شعباً معطوباً متخلفاً لا يُساق إلا بالعصا، السوريون شعب ذكي مرن يتعلم بسرعة ويتكيف بسرعة، كل ما يحتاجون إليه قيادة تؤمن بهم وتحترمهم وتمكّنهم وسيستطيعون خلال سنين قليلة أن يثبتوا أنهم ليسوا أقل شأناً من بقية الشعوب التي تمارس الحرية السياسية بوعي ومسؤولية


• أريد أن أرى سورية عند انتهاء المرحلة الانتقالية بعد خمسة أعوام شعباً حراً واثقاً من نفسه قد أفرز قواه السياسية المنظمة التي تتنافس لتحقيق مصالحه، أريد أن أرى سورية وقد أخرجت طبقة من القادة السياسيين يتنافسون في أول انتخابات سعياً لتحقيق رؤاهم في رفعة البلد وأتوقع أن يكون الرئيس أحمد الشرع وفريقه السياسي في مقدمة المتنافسين
آخر ما أريد أن أراه بعد خمسة أعوام أن تُختصر سورية العظيمة في قصر وشعب وحاشية!


• في الخطاب الذي وجهه السيد الرئيس أحمد الشرع إلى السوريين عشية تنصيبه رئيساً للمرحلة الانتقالية من قبل الفصائل العسكرية التي اجتمعت في مؤتمر النصر في قصر الشعب قال بالحرف (نريد دولة المؤسسات والقانون)
دولة المؤسسات والقانون أيها السادة هي النقيض تماماً لدولة الاستبداد، هي الدولة التي لا يرتبط وجودها واستقرارها وازدهارها بشخص ولا بجماعة ولا بحزب ولا بفصيل لأنها تقوم بقوة المؤسسات والقانون
هل سورية الآن دولة مؤسسات وقانون؟
لا أعتقد ذلك، يلزمنا الكثير من الوعي والتنظيم لكن أمامنا فرصة ذهبية هي سنوات المرحلة الانتقالية الخمس يجب أن نملؤها بنشر الوعي في المجتمع السوري وتنظيمه أهلياً ومدنياً وسياسياً حتى تقوم هذه الدولة، هي ليست سنوات للتطبيل ولا للنقد الهدام ولا (للحرد) والانكفاء بل سنوات للمشاركة في بناء الدولة والاشتباك مع الواقع بكل إيجابياته وسلبياته وهي ليست سنوات للتنافس على المناصب لأنه لا توجد في المرحلة الانتقالية إلا سلطة واحدة تحكم البلد وهذا ما تطلبه المرحلة لكنها سنوات يجب أن نستثمر فيها مساحة الحرية التي انتزعناها بدماء مليون شهيد ليفرز المجتمع السوري قواه المدنية والسياسية المنظمة التي ستتنافس على كسب ثقة السوريين في صناديق الاقتراع عند انتهاء المرحلة الانتقالية، يجب أن نرى بعد خمس سنوات طبقة من القادة السياسيين فسورية ولّادة بالرجال وأعتقد أن القيادة التي تحكم اليوم فرصتها كبيرة ليختارها السوريون لإكمال المسيرة إن عملت فعلاً على بناء دولة المؤسسات والقانون التي وعدت السوريين بها


• لا داعي لاختراع العجلة من جديد، تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون وتجنب الاحتكار واتباع الإجراءات الصحيحة في استدراج العروض والمناقصات وخضوع المسؤولين للمساءلة من قبل ممثلي الشعب في البرلمان المؤقت ووجود إعلام حر وقضاء نزيه، هذه هي الأسس السليمة التي تبني الثقة في البيئة الاستثمارية وتؤسس لاقتصاد قوي مستدام وتوفر للسوريين أفضل البضائع والخدمات بأقل الأسعار


• ما من صاحب كلمة حق دفع حياته ثمناً لها إلا أورقت من بعده ظلالاً وارفة إلى قيام الساعة
صاحب القضية الذي يقضي في سبيلها تزداد مصداقيته ومصداقيتها فيكثر عدد من يحملونها من بعده وتقوى عزيمتهم ويمتد أثره وأثرهم في الزمان والمكان
من يقول كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم لا حل له، هو سيف الله المسلط فوق رؤوس الظالمين الفاسدين في حياته وبعد مماتهم


• في عهد النظام البائد كانت سورية على رأس قائمة الدول الفاسدة، وهذا أمر طبيعي فالاستبداد يعني غياب المراقبة والمحاسبة والمساواة أمام القانون وهي البيئة الخصبة التي ينمو فيها الفساد
في سورية الجديدة يجب أن تنتقل سورية إلى أسفل قائمة الدول الفاسدة فهذا ما قامت من أجله ثورة السوريين؛ أن نبني دولة مؤسسات وقانون تحاصر الفساد والمفسدين وتخفض نسبة الفساد إلى أدنى حد ممكن
لقد ترك النظام البائد لنا إرثاً ثقيلاً من مؤسسات يعج فيها الفساد وثقافة مجتمعية تتهاون مع الفساد بل تبرره وتشجع عليه أحياناً، ومن هذه الثقافة مقولة يرددها البعض اليوم (سورية ما بتمشي إلا هيك!) قصدهم سورية لا تمشي إلا بالمحسوبية والصفقات المشبوهة والاستئثار بالموارد وتشكيل المافيات الاقتصادية والالتفاف على القانون وغيرها من أشكال الفساد، كذبتم! سورية بتمشي بالشفافية والصدق وسيادة القانون، مصالحكم يلي (ما بتمشي إلا هيك!) ولا خير فينا نحن أبناء الثورة إن لم نقف في وجه كل فاسد وطامع


• أعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر، قد يكون السلطان الجائر شخصاً وقد يكون رأياً عاماً يخشى البعض مخالفته!


• (غير صحيح) و(غير دقيق) و(غير واقعي) و(غير موفق) هذه ليست ردوداً على أي فكرة، هي لا تشكل أي إضافة معرفية، وليست جزءاً من أي محاججة منطقية، من لا يوافق على فكرة ما عليه ألا يكتفي بالترديد الآلي الكسول للعبارات السابقة، عليه أن يقول (لماذا) يرى هذه الفكرة خاطئة عندها يبدأ نقاش مفيد


قول البعض:
ماذا لو خليت المناطق المحتلة من المشايخ؟ ألم يكن من الأفضل أن يبقوا ولو كان ذلك على حساب تأييدهم للنظام المجرم؟!
حسناً، هذا سؤال افتراضي ومن أراد أن يلعب لعبة الأسئلة الافتراضية سنلعبها معه إلى النهاية
ماذا لو لم يجد النظام المجرم شيخاً واحداً يدعمه؟! ألم يكن ذلك ليفت في شرعيته ويسرع زواله وبالتالي سينتفي السؤال الافتراضي من أصله لأنه لن تكون هناك مناطق محتلة يضطر الشيخ لتأييد المجرمين حتى يبقى فيها؟!
ماذا لو عاد النظام المجرم إلى حكم سورية من جديد؟!إذن على من يرضى بهذا التبرير أن يعود إلى تأييده من جديد وإلا لناقض نفسه، إذن نحن أمام مشاريع نفاق وجبن وتخاذل مؤجلة تنتظر الظرف المناسب فقط، هل هذا النوع من الرجال من سيربون الأجيال ويبنونها على الدين الصحيح والعزة والكرامة؟
آن الأوان لوقفة صدق مع الذات ومع الله ومع الشعب والاعتراف بالخطأ والاعتذار بتواضع بعيداً عن التبرير الذي هو نقيصة وفضيحة بحد ذاته!


• امتلأت ساحات الجهاد والحصار على مدى السنوات الأربعة عشرة الماضية بالعلماء العاملين المجاهدين، للدين هيبته وعظمته ومكانته ولا يجوز أن يتحول علماؤه إلى مطايا للمجرمين، أن تكون عالماً حمل عظيم يحتاج إلى شجاعة وتضحية، من لا يقوى على هذا الحمل ليسلك في الحياة مسلكاً آخر يخدم به الأمة غير التحدث باسم الدين فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها


• هل يجوز لي أن أشرب الخمر جهاراً مقابل أن يسمح لي الحاكم بإقامة درس في المسجد أعظ فيه الشباب حتى يتجنبوا الزنا؟
أيهما معصية أشد؟ شرب الخمر أم تأييد مجرم سفك دماء الملايين؟
وبما إن التأثير بالقدوة أقوى من التأثير بالكلام، أيهما يفتك بالمجتمع المسلم أكثر ويخرجه عن دينه أكثر الاقتداء بالواعظ في شرب الخمر أم الاقتداء به في تأييد المجرمين؟!
تأييد المجرمين ينقض أصل الدين فكيف يكون مبرراً للحفاظ على الدين؟! وماذا بقي من الدين إن انتشر في المجتمع تأييد من يسفكون الدماء ويهتكون الأعراض ويهدمون البلاد ويهجّرون العباد؟!
بل هل كان المجرم سيحكم البلاد أصلاً لو كانت حرمة تأييده واضحة جلية قطعية كحرمة شرب الخمر؟!
أي دين هذا الذي يحتاج الحفاظ عليه إلى تأييد المجرمين؟! الإسلام أعظم وأجل من هذا الفهم السقيم، نحن بحاجة إلى ثورة فكرية في فهم الدين حتى لا ينبت فينا حاكم مجرم ولو بعد ألف عام


• الحافلة يقودها رجل واحد، هذا صحيح، لكن واجب جميع الركاب أن يحرصوا على السير بهم في الاتجاه الصحيح


• لا يوجد رجل وصفه (المستبد العادل) فالاستبداد هو ظلم يقوم على انتهاك حقوق الناس وكراماتهم ولا يمكن أن يجتمع مع نقيضه العدل الذي يقوم على احترام الحقوق والكرامات
نعم يوجد رجل وصفه (الحازم العادل)، والحزم غير الاستبداد، الحزم يعني القوة والحسم في تطبيق القانون على الجميع، ولا يستقيم حكم إلا به
إن تحقيق العدل في الأرض مطلب إلهي (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بالقِسْط) سورة الحديد -25- وفي التاريخ أن جراح بن عبد الله والي خراسان كتب إلى عمر عبد العزيز (سلام عليك، أما بعد، فإن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السوط والسيف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعلتُ)
فرد عليه عمر بن عبد العزيز (أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر فيه أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، وتسألني أن آذن لك، فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، والسلام)


• مادة نترات الصوديوم تستخدم في صناعة سماد ينبت الزرع ويملؤ الضرع وتستخدم نفسها في صنع متفجرات تحول الناس إلى أشلاء
الملعونان حافظ ومن بعده بشار حولا التنوع في سورية بالقهر والعسف إلى لغم كبير جلسا فوقه قائلين للعالم: أزيحونا وسينفجر اللغم بكم جميعاً
اليوم أمامنا تحدٍّ كسوريين أن نحول التنوع نفسه ببسط العدل واحترام الكرامة الإنسانية إلى عامل ثراء وخصب يفيض على العالم حضارةً واستقراراً وأمناً


• عن علي رضي الله عنه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فاستعمل رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه فغضب، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا : بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، فجمعوا، فقال: أوقدوا ناراً، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف)" صحيح البخاري
لا توجد فكرة تحرر الإنسان من العبودية للبشر وتمنع تحول المجتمعات إلى قطعان أقوى من الفكرة الإسلامية فالطاعة لا تجوز إلا في المعروف حتى في أشد الظروف قسوة وهي الحرب
وهكذا يصبح الضمير الديني للفرد المسلم هو الموجّه لخياراته وليست أي قوة خارجية وفي مجتمع أفراده أحرار من هذا النوع تسود القيم لا عبادة البشر وتُحاصر كل أشكال التزلف والنفاق

Share