خواطر 2025-9
• حيث وجد الاختلاف والتنوع والتعدد وجدت السياسة، السياسة مهمتها إدارة الاختلاف واستثمار التنوع وتحويل التعدد من عداوة مؤذية تهدف إلى إلغاء الآخر إلى تنافس شريف يهدف إلى خدمة الناس وتحقيق مصالجهم
وحتى لا تكون هناك فوضى تحتاج السياسة إلى دستور وقانون – أو إعلان دستوري في حالتنا - يحتكم إليه الجميع، وإلى رئيس للبلاد يعترفون بشرعيته ويلتزمون بقراراته طالما هي ضمن الدستور والقانون
حجب الاختلاف والتنوع والتعدد الذي هو ظاهرة طبيعية صحية مطلوبة هو إلغاء للسياسة وقتل لها وإن مورس تحت عنوانها!
• امتلاك موظف حكومي لسيارة لا يحق لها امتلاكها هو نتيجة، أما السبب فهو عدم وجود (إجراءات) واضحة ومكتوبة تحدد من الموظف الذي يحق له امتلاك سيارة، وكيف تحدد نوعيتها، وما المجالات التي يحق له استخدامها فيها. ما عندي شك أن الرئيس الشرع لديه إرادة حقيقية في الحد من الفساد وأكثر ما يساعده على ذلك وجود إجراءات تمنع الثغرات التي يتسلل منها الفساد وهذه مسؤولية كل وزير في وزارته وكل مدير في مديريته
لقد خلّف النظام البائد تركة ثقيلة من الفساد يحتاج التخلص منها إلى وقت والفساد ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية وثقافية وسياسية وقانونية وإدارية، لكن برأيي العامل الأهم في معالجة الفساد هو وجود إرادة حقيقية من السلطة يساعدها رأي عام يقظ لا يسكت على الخطأ وإعلام حر لا يخاف قول الحقيقة ومجلس شعب فاعل يمارس دوره في الرقابة على عمل الحكومة
إن معالجة الفساد لا تحد الهدر في المال العام وحسب بل هي عنوان واسع من عناوين الإصلاح السياسي الذي يجعل من يعملون في الشأن العام من رئيس الدولة فما دون موظفين عند الشعب يعملون لخدمته ومحاسبين أمامه تحت ظل الدستور والقانون الذي لا يستثني أحداً
• أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
في هذه الأجواء التي تعيشها منطقتنا يكثر الحديث عن العلاقة بين (الاقتصاد) و(الاستقرار) ويستدل أحياناً على مهمة السلطة بقوله تعالى (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) للقول بأن مهمة السلطة الأساسية هي تحقيق الاكتفاء الاقتصادي وبسط الأمن وهو كلام حق لكنه يحتاج إلى شرح وتوضيح حتى لا ينتج (قوارين) مال يجمعون الثروة والسلطة في فئة قليلة تتحكم بالمجتمع، وحتى لا تتحول البلاد إلى ممالك خوف تقمع كل صوت معارض بحجة تحقيق الأمن والاستقرار
أما (أطعمهم من جوع) فتكون بإقامة دولة قانون ومؤسسات تتيح التنافس الاقتصادي الشريف بعيداً عن الاستئثار والاحتكار، دولة يسودها قضاء عادل مستقل يشجع على الاستثمار إذ يطمئن المستثمر أن حقه لن يُهضم بسبب تدخل السلطة في عمل القضاء، دولة تُكفل فيها حرية التعبير وحرية العمل السياسي الذي يضمن مساءلة الحكومة ومحاسبتها فيثق المستثمرون بأجواء النزاهة والعدالة والشفافية التي يحرسها مجتمع حرٌ حيّ لا يرضى بالاستغلال ولا يسكت على ضيم
وماذا عن (آمنهم من خوف)؟ هي أن يأمن الناس على أنفسهم من خوف الحروب الخارجية والاقتتالات الداخلية ويكون ذلك بالحوار والمشاركة بين السلطة ومن يُراد منهم أن يكونوا شركاء في بناء الوطن وحمايته، وأن يأمن الناس على أنفسهم من خوف الجريمة ومن الإفلات من العقاب الذي يشجع على الجريمة ويكون ذلك بتطبيق العدالة بحزم وشفافية، وأن يأمن الناس على أنفسهم من خوف قيام منظومة سياسية أحادية تعتمد على فرد تنهار البلاد حال غيابه، ويكون ذلك بأن يخرج المجتمع قواه السياسية المنظمة التي تنتج طبقة من القادة يختار منهم الشعب بملء إرادته وهذه الوفرة في القيادات لا تتحقق إلا ببسط الحريات وإتاحة المجال لهذه القيادات حتى تثبت حضورها وكفاءتها في ساحة التعددية والتدافع السياسي الشريف، لن يتحقق ذلك بين عشية وضحاها وإنما يحتاج إلى تدرج وتراكم وأخذ الوقت الكافي في توعية الشعب وتمكينه من تنظيم صفوفه مجتمعياً وسياسياً، لكنه لن يتحقق ابداً من دون إيمان بالشعب وبأنه مجموعة من البشر الأحرار وليس قطيعاً لا تسوقه إلا العصا، وكما فاجأ الشعب السوري الحر العالم بإسقاط نظام من أعتى الأنظمة الإجرامية عبر التاريخ هو قادر بإذن الله على مفاجأة العالم بإقامة نظامه الاجتماعي والسياسي الخاص الذي يعبر عن أصالته الحضارية والذي يتعاون مع الآخرين بما يحقق مصلحته الوطنية دون أن يذوب في مشاريعهم ورؤاهم
• لم تعد سورية بلداً مغلقاً لم تعد أفواهنا مكمومة كسرنا جدار الخوف مرة واحدة وإلى الأبد بثمن غال جداً جداً، القرارات التي يبدو أنها اتُخذت من أجل مصلحة خاصة على حساب الصالح العام سيتحدث عنها أحد ما عنها بعد وقت يطول أو يقصر وسيكون هناك مطالبة بتبريرها أو تصحيحها، لا مجال للعبث مع شعب دفع كل هذه الدم من أجله حقه في الفهم والكلام
• عدم انفجار الوضع في سورية ضرورة إقليمية ودولية تسعى الدول الكبرى في العالم ومعظم دول الإقليم لتحقيقه ضماناً لمصالحها، لكن الدعم الخارجي لن يصنع سورية الحرة القوية المستقرة المزدهرة..
استقرار سورية على المدى المتوسط والبعيد وتحقيق السلم الأهلي القائم على العدالة وتمكين المجتمع السوري وإطلاق إمكانياته الهائلة والوصول إلى دولة القانون والمؤسسات التي لا يرتبط استمرارها وازدهارها بشخص أو بجماعة أو بحزب وإنما بقوة مؤسسات الدولة وقوة المجتمع الذي يقف خلفها، هذا كله لا يتحقق إلا بجهود السوريين وجهود السوريين فقط في مجالين هما: مجال التوعية؛ أي توعية السوريين بواجباتهم وحقوقهم وكيف يقومون بالأولى ويطالبون بالثانية، ومجال التنظيم؛ أي أن ينظم السوريون أنفسهم في منظمات مجتمعية وأحزاب سياسية يقومون من خلالها بواجباتهم ويطالبون بحقوقهم
• شاعت في وسائل التواصل الاجتماعي أنشودة تمجد الرئيس الشرع احتج عليها أبناء الثورة السورية ممن يحترمون الرئيس ويقدرونه لكنهم لا يريدون أن تعود سنة تمجيد الحكام وتقديسهم التي قامت الثورة لإنهائها، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة سحب المنشد أنشودته واعتذر وهذا أمر يحسب له ويستحق الشكر والثناء عليه
هذا مثال آخر عن (الكتلة الثورية) التي أتحدث عنها دائماً وأقول أنها ضمانة سورية الجديدة وهي كتلة قوامها الملايين ممن قامت الثورة السورية على أكتافهم ممن يحملون فكرها في بناء سورية الحرة الكريمة دولة المؤسسات والقانون التي تعلي من شأن الإنسان وتحترم حقوقه وتنظر إلى الحكام كموظفين عند الشعب لا كأنصاف آلهة يقعون خارج المساءلة والمحاسبة
لدي عشرات الأمثلة عن الدور الذي لعبته هذه الكتلة الثورية في تصويب المسيرة ومحاصرة الأخطاء ومساعدة من في السلطة على تطوير أدائهم، سأذكر بعضها في عجالة:
- منذ اليوم الأول للتحرير وضع رئيس وزراء حكومة الإنقاذ علم هيئة تحرير الشام إلى جانب علم الثورة (قبل أن يصبح علم سورية) كثيرون من أهل الثورة قالوا: لا يجوز وضع علم فصائلي أمام مسؤول حكومي يمثل الدولة بعدها لم يظهر علم الهيئة أمام أي مسؤول
- التقى وزير الثقافة بشبيح لم يعرف أنه شبيح وتصور معه، قامت عليه الدنيا من أبناء الثورة ولم تقعد فاعتذر ووضح وأصبح أكثر حذراً في قبول الدعوات واختيار من يتصور معه
- قتل شاب مريض نفسياً في المسجد الأموي بسبب عدم إدراك شباب الأمن الداخلي لحالته ومعرفة كيفية التعامل معه، أقام أبناء الثورة الدنيا أيضاً حتى لا تعود سيرة القتل تحت التعذيب، أصدرت الداخلية بياناً وشكلت لجنة تحقيق وأرسلت وفداً إلى أهل القتيل لشرح الملابسات
- أخيراً في التجربة الانتخابية الأخيرة بالرغم من كل الإشكالات التي صاحبتها أوصل أبناء الثورة بعمومهم كتلة معتبرة منهم إلى مجلس الشعب القادم ليكون صوتهم حاضراً
ستكون شغلتي الأساسية في الحياة فيما تبقى لي من عمر المساهمة في تنظيم هذه الكتلة الثورية سياسياً لتفرز قواها السياسية المنظمة وسيكون تيار سورية الجديدة إحدى هذه القوى - إذ لا يريد ولا يستطيع وليس من السليم أن يكون القوة الوحيدة - وإذا كانت السلطة الجديدة تتعامل مع عدو كروسيا وإسرائيل بوصفه واقعاً لا يمكن تجاوزه فإنّ هذه الكتلة الثورية والقوى السياسية المنظمة التي ستنشأ عنها واقع أيضاً لا يمكن تجاوزه بل يجب الحوار معه واستثماره حتى تنجو السفينة في هذا المركب الصعب الذي نمر به جميعاً
• لم تكن ثورة السوريين مجرد ثورة ضد الاستبداد، كانت أعمق من ذلك بكثير… كانت ضد نوع خاص من الاستبداد غالى في التوحش والإقصاء والإلغاء إلى درجة أصبح معها الإنسان السوري بلا قيمة على الإطلاق، كانت قيمته صفر حرفياً وهذا ما عكسته الإبادة الأسدية طوال أربعة عشرة عاماً والمقابر الجماعية التي نكتشفها كل يوم، ثورتنا في جوهرها كانت خروجاً من العدم إلى الوجود
اليوم هناك من يريد زجنا في العدم مرة أخرى وإعادة تشكيل المنطقة بإنسان لا قيمة له ولكن بأدوات ناعمة، خسئوا فدم مليون شهيد لهم بالمرصاد، نعم كلامي هذا تنظير لمن أراد أن يسميه تنظيراً، هو تنظير للحياة والوجود في وجه من ينظرون للموت والعدم
• تكون لشعب ما قيمة في العالم بمقدار ما تكون له قيمة عند حكامه، وقيمة الشعب عند حكامه تأتي من قيمته عند نفسه، إلا إن كان الحاكم مستبداً لا يرى شعبه ويقمعه بالنار والحديد وهذا ما تجاوزناه في سورية الجديدة بتضحيات مليون شهيد
عندما يحترم السوري ذاته وتكون له قيمة عند نفسه فيعبر عن رأيه بصدق ويطالب بحقه بشجاعة، عندها سيحترمه الجميع، احترام الذات هو البداية
• أنت أيها المواطن السوري الذي سُحقت جماجم أطفاله تحت سقف منزله بسبب القصف الروسي يحق لك أن تسمي بوتين مجرماً ويحق لك أن تطالب بحقك المعنوي وهو الاعتذار – لأن دم أولادك ليس ماء – وبحقك المادي وهو التعويض
هذا ليس كلاماً عاطفياً وإنما حقوق لا تسقطها اضطرارات السياسيين وهو ليس جهلاً بالسياسة كما يتوهم البعض بل في قلب السياسة أن تكون للشعب كلمته التي يستقوي بها السياسي ويواجه ويناور، لمن لم يعتادوا بعد على الوضع الجديد هذه سورية الحرة وليست سورية القطيع
• ما حدث في سورية يوم 8/12/2024 لم يكن انقلاباً عسكرياً أطاح بحاكم وجاء بآخر، ما حدث هو انهيار نظام تواطأ معه العالم نتيجة تآكله التدريجي على مدى 14 عاماً بسبب ثورة شعبية عظيمة شارك فيها الملايين صمدت واستمرت طوال هذه المدة إلى أن قادت هيئة تحرير الشام عملاً عسكرياً رائعاً انتهى بدخول دمشق. هذه الثورة لها أدبياتها ولها فكرها القائم على العزة والكرامة ورفض الضيم ورفض الخنوع للظالمين وهو فكر يحمله ملايين الرجال والنساء الذين شاركوا في هذه الثورة وضحوا من أجلها سواء في المناطق التي حوصرت ثم أُخرج أهلها منها أو في الشمال السوري الذي كان خارجاً عن سيطرة النظام أو في المخيمات أو في المهجر أو حتى في المناطق التي ظلت خاضعة لسيطرة النظام
هذه الكتلة البشرية الهائلة بصوتها الحر وضميرها الحي هي ضمانة مستقبل سورية الجديدة عندي وأشعر بالأسف عندما أجد بعض (المحللين) و(المنظرين) يتجاهلون تماماً وجود هذه الكتلة الثائرة ورأيها ودورها بل يلمزون منها أحياناً وهم ينظّرون لترتيبات جديدة في المنطقة تصنعها القوى الكبرى وما علينا كشعوب إلا أن نخضع ونستكين ويعتبرون ذلك قمة الوعي!