cover

خواطر 2025-10

• الشعوب الحرة لا تلغي عقلها وإرادتها ولا تمشي بعماء خلف اضطرارات السياسيين وإكراهاتهم، بل لها خياراتها ومساحاتها الحرة للتعبير عن رأيها ولو خالف اضطرارات سياسييها
عندما يقدم السياسي تنازلاً تحت ضغط ما فيجد خلفه شعباً يحتج على هذا التنازل يستطيع عندها أن يستقوي بشعبه وأن يحمي نفسه من تقديم تنازلات أكبر بل يستطيع أحياناً أن يناور ويتراجع محتجاً بأنه لا يستطيع تجاوز إرادة شعبه
أخيراً ثلاث نقاط حول النقاش الدائر بخصوص زيارة الرئيس الشرع لروسيا:


• (السياسي) و(التقني) ثنائية موهومة!
شاع كلام في أوساط المشتغلين بالانتخابات الأخيرة مفاده أن المجلس التشريعي القادم يجب أن يكون مجلساً (تقنياً) لا (سياسياً) حيث يعرّف أصحاب هذه الفكرة الرأي التقني بأنه رأي الخبراء والمختصين الحيادي الذي لا يقبل النقاش، بينما الرأي السياسي هو الرأي الذي تحركه الرغبة في المناكفة لا لمصلحة البلد وإنما لمصلحة فئوية ضيقة سواء كانت الفئة هنا حزباً أو جماعة أو عشيرة أو عائلة أو منطقة أو فصيلاً أو حتى شخصاً تحيط به عصبة تمجده!
ينسى أصحاب هذا الكلام أن السياسة بالمعنى الذي يعرّفونه هي السياسة أيام النظام البائد حيث كان من يمارسونها من عباد المناصب والمصالح لا أصحاب رؤية ورسالة يسعون إلى خدمة بلدهم وشعبهم من خلال ممارسة السياسة
ينسى أصحاب هذا الكلام أن التعريف الصحيح للسياسة هو: إدارة الشأن العام أو التأثير فيمن يدير الشأن العام بما يحقق الصالح العام، وهو التعريف الذي قامت الثورة السورية من أجله وهو التعريف الذي يجعل من كل سوري فاعلاً سياسياً له الحق في المشاركة في تحديد الصالح العام وفي إبداء الرأي في القرارات التي تمس الشأن العام الذي هو شأنه أيضاً. مشكلة السوريين الجوهرية مع النظام البائد هي أنه أخرج السوريين من حقل السياسة – بهذا المعنى – واحتكر وحده حق رسم السياسات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم واحتكر وحده حق تحديد (الصالح العام)
السياسة هي أن يكون لك رأي فيما تعتقد أنه يحقق الصالح العام ولك أن تدعم رأيك بما يقوله الخبراء والمختصون ويتُرك للمحاججة المنطقية أن تحسم الخلاف بالتصويت تحت قبة البرلمان أو بالنقاش المفتوح في الفضاء العام الذي يعبر فيه الناس عن آرائهم بحرية في عوالمهم الواقعية والافتراضية
دفعنا مليون شهيد حتى يدخل السوريون في حقل السياسة بوصفها حقاً في التنظيم السياسي الذي يخرج من يمثلهم ويعبر عن رأيهم ويمكنهم من المشاركة في تحديد (الصالح العام) الذي هو صالحهم جميعاً، الخوف بأن تكون هناك قرارات لا تحقق الصالح العام يُعالج بإدخال السوريين في السياسة لا في إخراجهم منها!


• الانتماء المناطقي والانتماء العشائري والانتماء لجماعة دينية ليس أمراً سلبياً بحد ذاته، بل هو من أشكال التنظيم الأهلي الفطري الذي يحمل المجتمعات ويحقق التعاضد والتكاتف بين أبنائها بعيداً عن الدولة وهذا يحد من تدخل الدولة وهيمنتها من جهة ومن جهة أخرى يساعدها ويكمل عملها عندما تقتضي الحاجة
لمسنا ذلك خلال الثورة في مناسبات عديدة كان أكثرها وضوحاً بعد الزلزال المدمر الذي أصاب الشمال السوري، ففي ظل غياب الدولة وضعف الإمكانيات سدّ المجتمع الأهلي الفراغ وصار أهل كل منطقة يتعاضدون فيما بينهم لإغاثة منكوبي منطقتهم وتلبية حاجاتهم
يتحول الولاء للمنطقة والعشيرة والجماعة إلى ظاهرة سلبية عندما يكون ولاء أعمى لا تضبطه القيم والأخلاق (ما أنا من غزية إن غوت غويت!) أو عندما يكون على حساب الولاء لفكرة وطنية جامعة تتجاوز المناطق والعصبيات، عندها قد ينحاز الشخص لابن منطقته أو عشيرته أو جماعته بغض النظر عن كونه على حق أو على باطل أو بغض النظر عن تأثير هذا الانحياز على الصالح الوطني العام بل إن فكرة الصالح الوطني العام تكون غائبة تماماً هنا ولا تدخل في حسابات من يحملون هذا النوع السلبي من الولاء
يترسخ الولاء السلبي للمنطقة والعشيرة والجماعة في أجواء الاستبداد الذي يعزل الناس عن بعضهم البعض ويمنعهم من العمل الحر المشترك الذي يتجاوز عصبياتهم الضيقة، الاستبداد الذي يدفع الناس إلى الكفر بوطن يجمعهم ودولة تمثلهم وتدافع عن مصالحهم فلسان حال الاستبداد يقول (أنا الدولة والدولة أنا) مما يلجيء الناس إلى عصبيات ما دون الدولة التي تشعرهم بالمعنى والحماية والأمان
هناك من يقول لا يصح أن نؤسس أحزاباً في هذه المرحلة لأننا نعاني من مرض المناطقية والعشائرية وغيرها من ولاءات ضيقة، إن هذا المرض من تبعات الاستبداد وهو أكبر حافز لنا لتشكيل الأحزاب! فلا شيء يسرّع التعافي من تبعات النظام المستبد الذي جثم على صدورنا ستين عاماً أكثر من الانخراط المباشر في أعمال جماعية مشتركة عابرة للمناطق والعصبيات سواء كانت أحزاباً وطنية أو نقابات مهنية أو منظمات مدنية فالعمل الحر المشترك لتحقيق مصالح وطنية مشتركة هو الذي يعزز الفكرة الوطنية الجامعة ويعالج الولاء السلبي لعصبيات ما دون الدولة


• القول بأن عموم السوريين إذا مُنحوا حرية التنظيم السياسي سيتم شراؤهم بالمال السياسي وبأن عموم السوريين إذا مُنحوا حرية التنظيم السياسي سيتحولون إلى جماعات يضرب بعضها بعضاً وتضر بمصلحة البلد هو القول بأن عموم السوريين قاصرون يحتاجون إلى وصاية ولا يستحقون العيش الحر الكريم، إن الطفل يظل قاصراً بحاجة إلى وصاية حتى يصل سن الرشد، أولم يبلغ الشعب السوري بعد ثورة دفع ثمنها مليون شهيد سن الرشد بعد؟!
نعم سيظل هناك سوريون يمكن شراؤهم بالمال، وسيظل هناك سوريون يقدمون مصالحهم الحزبية الضيقة على الصالح الوطني العام، وجود أشخاص من هذا النوع طبيعي وموجود عند كل الشعوب لكنه لا يبرر اتهام شعب بأكمله بالقصور الفكري والسياسي والأخلاقي واتخاذ هذا الاتهام مبرراً لفرض الوصاية عليه!
ثم ما الذي سيعلم الشعوب ألا تُشترى بالمال؟ وما الذي سيعلم الشعوب بأن تنظم نفسها سياسياً بطريقة إيجابية خلاقة تحول التنافس السياسي بينها إلى حالة صحية تدفع بالأنظف والأكفأ إلى مكان صناعة القرار بدل أن تنشغل بصراعات حزبية ضيقة؟ وما الذي سيعلم الشعوب بأن القيادة مسؤولية وخدمة ومشاركة وتواضع وليست تصدراً وإقصاءً وتكالباً على المنصب لذاته لا لخدمة الناس من خلاله فلا يعود الناس يقبلون إلا قادة يتواضعون لهم ويتفانون في خدمتهم؟ ما الذي سيعلم الشعوب كل ما سبق ويحقق نضجها الفكري والسلوكي ويمكنها من تجاوز عيوبها ونقاط ضعفها غير الممارسة السياسية ذاتها ووجود ساحة مفتوحة للجميع يتدافع فيها الجميع وُيترك فيها القانون الرباني ليفعل فعله (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)
حب السوريين يقتضي احترامهم وتقديرهم وحسن الظن بهم والإيمان بقدراتهم وفعل كل ما يجب لتمكينهم على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية


• أظهرت تجربة الانتخابات الأخيرة الحاجة الماسة إلى نشوء أحزاب وطنية عابرة للمناطق والولاءات الضيقة يجتمع فيها السوريون حول فكرة ورؤية وبرنامج بدل أن يجمعهم الولاء لمنطقة أو جماعة
عندما نطرح ضرورة تشكيل الأحزاب الوطنية في المرحلة الانتقالية يبرز تخوفان مشروعان:
التخوف الأول، أن المرحلة الانتقالية هي لتوحيد البلاد وبسط الأمن وإعادة الإعمار وكل هذا يحتاج إلى قيادة واحدة لا إلى أحزاب متصارعة
التخوف الثاني، إن فسح المجال لتشكيل أحزاب في هذه المرحلة سيؤدي إلى دخول المال السياسي ويحمل مخاطر تسلل الفلول إلى المشهد السياسي عن طريق تشكيل حزب يجمعهم وقد تتشكل أحزاب على أسس طائفية أو أحزاب عنصرية تحمل طروحات انفصالية
هذان التخوفان المشروعان الرد عليهما بسيط جداً:
أما التخوف الأول فلا مبرر له لأن الإعلان الدستوري يجعل السلطة في المرحلة الانتقالية بيد رئيس الدولة وفريقه السياسي ولا يتيح المجال لانتخابات فيها برامج متنافسة ورؤى مختلفة – وهذا برأي تيار سورية الجديدة هو أصلح للبلد ولطبيعة المرحلة الانتقالية – إذن لا انتخابات رئاسية أو برلمانية أو محلية في المرحلة الانتقالية يتجلى فيها الصراع السياسي الذي يتخوف البعض منه، وإنما ستعكف الأحزاب الوطنية التي تتشكل في هذه المرحلة على ترتيب بنيتها التنظيمية وتوسيع قواعدها الشعبية وتوضيح رؤاها العامة للناس التي ستبني على أساسها برامجها الانتخابية عندما تنتهي المرحلة الانتقالية ويخوض السوريون أول انتخابات حرة وفق الدستور الجديد
التخوف الثاني من المال السياسي والفلول والنزعات الطائفية والانفصالية لا يقتصر على المرحلة الانتقالية وحسب وإنما هو موجود بشكل دائم وليس في سورية فقط وإنما في كل دول العالم التي توجد فيها حريات سياسية، والدول لا تعالج هذا التخوف بمنع تشكيل الأحزاب! وإنما بقانون أحزاب يقنن تمويلها ويضع شروطاً ومعايير للترخيص لها تمنع تشكيل أحزاب طائفية أو انفصالية أو أحزاب تهدد المصلحة الوطنية، إذن المطلوب أن يسارع مجلس الشعب بعد تشكيله إلى إصدار قانون أحزاب يعالج هذا التخوف ويفسح المجال للعمل الحزبي تحت الضوء وفي ظل القانون
لا سياسة من دون تنوع ولا تنوع من دون أحزاب وإن شيطنة العمل الحزبي يستبطن ذات الفكرة التي كان النظام البائد يروج لها: السوريون قطيع لا يقاد إلا بالعصا ولا تليق بهم الحرية السياسية وتشكيل الأحزاب
نحن بحاجة إلى قانون أحزاب تتشكل على أساسه الأحزاب الوطنية اليوم وليس غداً، لأن نضوج التجربة السياسية عند السوريين تحتاج إلى وقت وجهد وكل تأخير في قانون الأحزاب هو تأخير لهذا النضوج، أما من يقول بتأجيل تشكيل الأحزاب إلى ما بعد المرحلة الانتقالية فهذا يعني أن السوريين سيصلون إلى نهاية هذه المرحلة وهم مشتتون متفرقون لا أحزاب تجمعهم وتنظم حراكهم السياسي ولا وجود في ساحتهم السياسية إلا لحزب واحد وقائد خالد وكأنك يا زيد ما غزيت!


• سقط النظام البائد ليس بسبب إجرامه وحسب وإنما بسبب تكلسه وعدم قدرته على فهم التغير الذي يمر به العالم، بالمقابل انتصرت الثورة السورية ليس بسبب أحقيتها وحسب وإنما بسبب فهمها للعالم ومرونتها في الاستجابة لتغيراته، نهوض سورية اليوم مرهون بتعلمنا من ماضينا وتمسكنا بقيم الحرية والعدالة والكرامة وفتح ساحات المشاركة التي تستفيد من كل الطاقات في معركة التحرير والبناء


• إلى من يهمه الأمر من حكومات لها مصالح في سورية الجديدة، هذه ليست سورية التي عرفتموها قبل 8.12.2024، هذه سورية الجديدة التي خُضب ترابها بدم مليون شهيد من أجل حرية الإنسان وكرامته، بمقدار ما تدركوا هذا الواقع الجديد وتحترموه بمقدار ما تتحقق مصالحكم التي تتقاطع مع مصالحنا والتي يجب أن تعرفوا أن على رأسها مصلحتنا في ألا نضيع مكتسبات ثورتنا العظيمة في الحرية والعدالة والكرامة


• موقع سورية لا يسمح لها إلا أن تلعب دوراً محورياً في المنطقة، كان هذا الدور في الماضي دور (أزعر الحارة) الذي يأخذ أتاوات حتى يتوقى القاطنون شره ولأن (الزعرنة) لا تعكس طبيعة السوريين كان لا بد من قمعهم بالنار والحديد ولا بد من إقصاء أولي الألباب منهم بالقتل أو السجن أو النفي أو بمجرد القمع والتجاهل
اليوم تحاول سورية الجديدة أن تأخذ في المنطقة دور (زكرت الحارة) الذي يحترمه الجميع لأخلاقياته العالية ورجاحة عقله، هذا يقتضي أكبر درجة من الإشراك لأولي الألباب من السوريين في اتخاذ القرار وفي إدارة البلاد وأن تكون سورية نموذجاً في المنطقة للحكم الرشيد، علمنا آباؤنا أن هيبة الزكرت لا تأتي من عصاه وإنما من تواضعه وحكمته ومشاركته

Share